تفصل عنها الفضلتان فسد مزاج الأعضاء فخلق اللّه تعالى المرارة والطحال وجعل لكل واحد منهما عنقا ممدودا إلى الكبد داخلا في تجويفه ، فتجذب المرارة الفضلة الصفراوية ويجذب الطحال العكر السوداوي ، فيبقى الدم صافيا ليس فيها إلا زيادة رقة ورطوبة لما فيه من المائية ، ولولاها لما انتشر في تلك العروق الشعرية ولا خرج منها متصاعدا إلى
شرح
( والأخرى شبيهة بالرغوة وهي الصفراء ) أي في كل انطباخ لمثل هذا الكيلوس يحصل شيء كالرغوة وشيء كالرسوب ، وربما كان معهما إما شيء إلى الاحتراق إن أفرط الطبخ أو شيء كالقيح إن قصر الطبخ ، فالرغوة هي الصفراء والرسوب هو السوداء وهما طبيعيان ، والمحترق لطيفة صفراء محترقة وكثيفة سوداء ردية وهما غير طبيعيين ، وأما الشيء المتصفي من هذه الجملة نضيجا فهو الدم ، ثم الصفراء إما طبيعية وهي رغوة الدم حمراء اللون ناصعته بحيث تضرب إلى صفرة كشعر الزعفران ، فإذا تولدت في الكبد انقسمت قسمان : قسم يذهب مع الدم ليخالط الدم في تغذية الأعضاء التي يستحق أن يكون في غذائها جزء صالح من الصفراء مثل الرئة ويلطف الدم لينفذ في المسالك الضيقة ، وقسم يتصفى إلى المرارة ليخلص البدن من الفضل ويغذي المرارة وأن ينصب منه قسط من المرارة إلى الأمعاء ليغسلها من الثفل والبلغم اللزج ، وإلى عضل المقعدة ليحس بالحاجة إلى التبرز ، وأما غير طبيعية إما لاختلاطها بالبلغم الغليظ وهي المخية ، وإما لأحتراقها في نفسها وهي الرمادية ، وهذان الصنفان يعرفان بالصفراء المحترقة ، والثاني منهما ينقسم إلى كراثي وزنجاري ، ولكل منهما أحكام وهما إنما يتولدان في المعدة غالبان وقد ينصبان من العروق والكبد إلى المعدة نادرا . ( ولو لم تفضل عنهما الفضلتان فسد مزاج الأعضاء فخلق اللّه تعالى المرارة والطحال ، وجعل لكل واحد منهما عنقا ممدودا إلى الكبد داخلا في تجويفه فتجذب المرارة الفضلة الصفراوية ويجلب الطحال العكر السوداوي ، فيبقى الدم صافيا ليس فيه إلا زيادة رقة ورطوبة لما فيه من المائية ، ولولاها لما انتشر في تلك العروق الشعرية ولا خرج منها متصاعدا إلى الأعضاء ) .
اعلم أن المرارة عضو عصباني ذو طبقة واحدة وهي كخريطة منسوجة من الأنواع الثلاث من الليف المستقيم والعريض والمورب معلقة من الكبد من ناحية المعدة وهي وعاء الصفراء وبالوعتها وهي موضوعة على الزائدة الكبيرة من زوائد الكبد ، وله منفذان : أحدهما متصل إلى تعقير الكبد فيه يصير الصفراء إليها ، والثاني متصل إلى الأمعاء الاثني عشر ينفذ فيه ما فضل من الصفراء ، وينزل إلى الأمعاء المذكورة ، ثم يصير إلى الأمعاء الأخر لدفع الثفل وتنظيف الأمعاء من الرطوبات الغليظة بواسطة الحدة . وأما الطحال ؛ فهو عضو مستطيل الشكل كاللسان سخيف اللحم كمد اللون وهو وعاء السوداء وبالوعتها وموضعه في الجانب الأيسر من ضلوع الخلف والمعدة ، ويلزم المعدة من جانب وضلوع الخلف من آخر وأكثره تحت المعدة وقد ربط بربط متصلة بالغشاء الذي عليه وجعل متخلخلا ليستقر السوداء المنجذب إليه في تضاعيفه ، وجعل فيه الشرايين الكثيرة وينبت عنه قناتان : إحداهما عن طرفه ويتصل بالكبد عند تقعيره ، والثانية من داخله وتتصل بالمعدة ، وبها