ويدور الأعلى إلا هذا الرحى الذي صنعه اللّه تعالى ، إذ يدور منه الأسفل على الأعلى فسبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه وأتم برهانه وأوسع امتنانه ثم هب أنك وضعت الطعام في فضاء الفم فكيف يتحرك الطعام إلى ما تحت الأسنان ، أو كيف تستجرّه الأسنان إلى نفسها ، أو كيف يتصرف باليد في داخل الفم ؟ فانظر كيف أنعم اللّه عليك بخلق اللسان ، فإنه يطوف في جوانب الفم ويرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة كالمجرفة التي ترد الطعام إلى الرحى ، هذا مع ما فيه من فائدة الذوق وعجائب قوّة النطق والحكم التي لسنا نطنب بذكرها ، ثم هب أنك قطعت الطعام وطحنته وهو يابس فلا تقدر على الابتلاع إلا بأن ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة ، فانظر كيف خلق اللّه تعالى تحت اللسان عينا يفيض اللعاب منها وينصب بقدر الحاجة حتى ينعجن به الطعام ، فانظر كيف سخرها لهذا الأمر فإنك ترى الطعام من بعد فيثور الحنكان للخدمة
شرح
الأعلى ) ولو تحرك الأسفل لفسد ( إلا هذا الرحى الذي صنعه اللّه تعالى إذ يدور منه الأسفل على الأعلى ) ، وسر ذلك أن اللّه تعالى قد وضع خزائن الحواس في اللحي الأعلى ، فلو دار الفك الأعلى لخيف من تطرق الخلل والفساد على تلك الخزائن ، وقد استثنى مما ذكر التمساح فقد قالوا : كل حيوان يتحرك فكه الأسفل عند المضغ إلا التمساح ، ( فسبحانه ما أعظم شأنه وأتم برهانه وأوسع امتنانه ، ثم هب أنك وضعت الطعام في فضاء الفم ، فكيف يتحرك الطعام إلى ما تحت الأسنان أو كيف تستجره الأسنان إلى نفسها أو كيف ينصرف باليدين في داخل الفم ، فانظر كيف أنعم اللّه عليك بخلق اللسان ) وركبه من لحم وعروق وشريانات وعصب حساس وغشاء متصل بغشاء المريء ، ( فإنه يطوف في جوانب الفم ويرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة ) إلى طحن أو كسر أو مضغ ، ( كالمجرفة التي ترد الطعام إلى الرحى ) وذلك أن جوهره لحم أبيض رخو مجلل بالغشاء المذكور ، وقد التفت به عروق صغار كثيرة فيها دم هو سبب حمرة لونه وتحته عروق وشريانات وأعصاب كثيرة فوق ما يستحقه قدره من العظم . ( هذا مع ما فيه من فائدة الذوق ) إذ موضع قوته العصب المفروش عليه ، ( وعجائب قوة النطق ) وهي القوة الإنسانية التي يكون بها الكلام ، ( والحكم التي لسنا نطنب بذكرها . ثم هب أنك قطعت الطعام وطحنته وهو يابس فلا تقدر على الإبتلاع ) والإزدراد ( إلا بأن يتزلق إلى الحلق ) وهو الفضاء الذي في أقصى الفم وفيه مجريان : أحدهما قصبة الرئة ، والثاني المريء ولا يكون التزلق إلا ( بنوع رطوبة . فانظر كيف خلق اللّه تعالى تحت اللسان عينا يفيض اللعاب منها ) وهما فوهتان وهما ساكبتا اللعاب وبهما يبقى في اللسان وما حوله النداوة الطبيعية ، ( و ) هذا اللعاب ( ينصب بقدر الحاجة حتى يتعجن به الطعام . فانظر كيف سخرها لهذا الأمر ، فإنك ترى الطعام من بعد فيثور الحنكان للخدمة وينصب اللعاب حتى