وأما الرشد فنعني به العناية الإلهية التي تعين الإنسان عند توجهه إلى مقاصده فتقويه على ما فيه صلاحه وتفتره عما فيه فساده ، ويكون ذلك من الباطن كما قال تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ
[ الأنبياء : 51 ] ، فالرشد عبارة عن هداية باعثة إلى جهة السعادة محركة إليها ، فالصبي إذا بلغ خبيرا بحفظ المال وطرق التجارة والاستنماء ولكنه مع ذلك يبذر ولا يريد الاستنماء لا يسمى رشيدا لا لعدم هدايته بل لقصور هدايته عن تحريك داعيته ، فكم من شخص يقدم على ما يعلم أنه يضره فقد أعطى الهداية وميز بها عن الجاهل الذي لا يدري أنه يضره ولكن ما أعطى
شرح
كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْإلى قولهوَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[ آل عمران : 86 ] وكل هداية نفاها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعن البشر وذكر أنهم غير قادرين عليهما فهي ما عدا المختص به من الدعاء وتعريف الطريق ، وذلك كاعطاء العقل والتوفيق وإدخال الجنة ، وإلى هذا المعنى أشار بقولهأَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[ يونس : 99 ] وقوله :وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ[ الاسراء : 97 ] أي طالب الهدى ومتحريه هو الذي يوفقه ويهديه إلى طريق الجنة لا من ضاده فتحرى طريق الضلالة والكفر كقولهوَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[ التوبة : 37 ] وقولهإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ[ الزمر : 3 ] الكاذب الكفار هو الذي لا يقبل هدايته ، فان ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن موضوعا لذلك ومن لم يقبل هدايته لم يهتد وأما قوله تعالىاهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ[ الفاتحة : 6 ] فقد قيل عنى به الهداية العامة التي هي العقل وألسنة الأنبياء ، وأمرنا بأن نقول ولكن بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا ثوابا كما أمرنا أن نقول : اللهم صل على محمد وإن كان قد صلى عليه بقولهإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ[ الأحزاب : 56 ] وقيل إن ذلك دعاء يحفظنا من استغواء الغواة واستهواء الشهوات ، وقيل : هو سؤال للتوفيق الموعود في قولهوَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً[ محمد : 17 ]
( وأما الرشد فنعني به العناية الإلهية التي تعين الانسان ) في أموره ( عند توجهه إلى مقاصده فتقويه على ما فيه ) كذا في النسخ ونص الذريعة فتقربه مما فيه ( صلاحه وتفتره ) أي تكسله ( عما فيه فساده و ) أكثر ما ( يكون ذلك من الباطن كما قال تعالى :وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) وكثيرا ما يكون ذلك بتقوية العزم أو فسخه ، وإليه يوجه قوله تعالىوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ[ الأنفال : 24 ] ( فالرشد عبارة عن هداية باعثة إلى جهة السعادة محركة إليها ، فالصبي إذا بلغ خبيرا بحفظ المال وطرق التجارة والاستنماء ) أي كيفية نمو المال ، ( ولكنه مع ذلك يبذر فيه تبذيرا ولا يريد الاستنماء لا يسمى رشيدا لا لعدم هدايته ، بل لقصور هدايته عن تحريك داعيته ، فكم من شخص يقدم على ما يعلم أنه يضره وأعطي الهداية وميز بها عن الجاهل الذي لا يدري أنه يضره ،