إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 196
بيان وجه الأنموذج في كثرة نعم اللّه تعالى وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء : اعلم أنا جمعنا النعم في ستة عشر ضربا ، وجعلنا صحة البدن نعمة من النعم الواقعة في الرتبة التأخرة ، فهذه النعمة الواحدة لو أردنا أن نستقصي الأسباب التي بها تمت هذه النعمة لم نقدر عليها ، ولكن الأكل أحد أسباب الصحة فلنذكر نبذة من جملة الأسباب التي بها تتم نعمة الأكل ، فلا يخفى أن الأكل فعل ، وكل فعل من هذا النوع فهو حركة ، وكل حركة لا بدّ لها من جسم متحرّك هو آلتها ، ولا بدّ لها من قدرة على الحركة ، ولا بدّ من إرادة للحركة ، ولا بدّ من علم بالمراد وادراك له ، ولا بدّ للأكل من مأكول ، ولا بدّ للمأكول من أصل منه يحصل ، ولا بدّ له من صانع يصلحه ، فلنذكر أسباب الادراك ، ثم أسباب الإرادات ، ثم أسباب القدرة ، ثم أسباب المأكول على سبيل التلويح لا على سبيل الاستقصاء . الطرف الأول : في نعم اللّه تعالى في خلق أسباب الإدراك : اعلم أنّ اللّه تعالى بيان وجه الأنموذج في كثرة نعم اللّه تعالى وتسلسلها وخروجها عن حد الحصر والاحصاء : ( اعلم ) هداك اللّه تعالى ( أنا جمعنا ) فيما تقدم ( النعم ) الموهوبة والمكتسبة ( في ستة عشر ضربا ) من ضرب أربعة في أربعة ، فالأربعة أصول ولكل أصل أربعة ، ( وجعلنا صحة البدن ) وسلامته من الأسقام ( نعمة من النعم الواقعة في الرتبة المتأخرة ) لأنها من جملة الفضائل البدنية المكملة للفضائل النفسية ، ( فهذه النعمة الواحدة لو أردنا أن نستقصي الأسباب التي بها تمت هذه النعمة ) أي نطلب نهايتها ( لم نقدر عليها ، ولكن الأكل أحد أسباب الصحة ، فلنذكر نبذة من جملة الأسباب التي بها تتم نعمة الأكل ولا يخفى أن الأكل فعل ) لأنه هيئة حاصلة للآكل بسبب كونه آكلا ، ( وكل فعل من هذا النوع فهو حركة ) لأنه خروج من الفعل إلى القوة بالتدريج ، ( وكل حركة فلا بد لها من جسم متحرك ) وتكون تلك الحركة عارضة لذاته والجسم ماله طول وعرض وعمق ( هو ) أي ذلك الجسم ( آلتها ولا بد لها ) أي لتلك الحركة ( من قدرة على الحركة ، ولا بد لها من إرادة للحركة ، ولا بد ) مع ذلك ( من علم بالمراد ) وإدراك له ، ولا بد للأكل من مأكول ، ولا بد للمأكول من أصل منه يحصل وجوده ، ( ولا بد من صانع يصلحه ) ويهيئه للأكل ( فلنذكر أسباب الإدراك أولا ، ثم أسباب الإرادات ، ثم أسباب القدرة ، ثم أسباب المأكول على سبيل التلويح ) والإشارة ( لا على سبيل الاستقصاء ) والإحاطة . الطرف الأول في بيان نعم اللّه تعالى في خلق أسباب الادراك : ( اعلم أن اللّه تعالى خلق النبات ) وهو ما يخرج من الأرض من الناميات سواء كان له ساق