يسبح في الباطن يقوى به الإنسان على تحري الخير وتجنب الشر حتى يصير كمانع من باطنه غير محسوس ، وإياه عنى بقوله تعالى :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
[ يوسف : 24 ] ، فهذه هي مجامع النعم ، ولن تتثبت إلا بما يخوّله اللّه من الفهم الصافي الثاقب والسمع الواعي والقلب البصير المتواضع المراعي والمعلم الناصح والمال الزائد على ما يقصر عن المهمات بقلته القاصر عما يشغل عن الدين بكثرته والعز الذي يصونه عن سفه السفهاء وظلم الأعداء ، ويستدعي كل واحد من هذه الأسباب الستة عشر أسبابا ، وتستدعي تلك الأسباب أسبابا إلى أن تنتهي بالآخرة إلى دليل المتحيرين وملجأ المضطرين وذلك رب الأرباب ومسبب الأسباب ، وإذا كانت تلك الأسباب طويلة لا يحتمل مثل هذا الكتاب استقصاءها فلنذكر منها أنموذجا ليعلم به معنى قوله تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ النحل : 18 ] وباللّه التوفيق .
شرح
( يسنح في الباطن ) أي يعرض فيه ( يقوي به الانسان على تحري الخير وتجنب الشر حتى يصير كمانع ) له ( من باطنه غير محسوس ) أي وإن لم يكن منعا محسوسا ( وإياه عنى بقوله تعالىلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) وقد روي أن يوسف عليه السلام رأى صورة يعقوب عليه السلام وهو عاض على إبهامه ، فأحجم وليس ذلك بمانع ينافي التكليف كما توهمه بعض المتكلمين فإن ذلك كان تصورا منه وتذكرا لما كان قد حذره منه ، وعلى هذا قال :لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ[ يوسف : 24 ] الآية ومن عصمته تعالى ان يكرر الوعيد على من يريد عصمته لئلا يغفل ساعة عن مراعاة نفسه كقوله تعالى للنبي صلّى اللّه عليه وسلم :وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ[ الحاقة : 44 - 46 ] ( فهذه هي مجامع النعم ولن تستثبت إلا بما يخوله اللّه ) أي بنعمه ( من الفهم الصافي الثابت والسمع الواعي ) لما يحفظه ، ( والقلب البصير المتواضع المراعي و ) تقييض ( المعلم الناصح ) له والتوفيق الموافق ( و ) امداد من ( المال الزائد على ما يقصر عن المهمات بقلته القاصر عما يشغل عن الدين بكثرته ) وهكذا في النسخ ، ولفظ الذريعة وامداده من المال بما لا يقعد به عن مغزاه قلته ولا يشغله عنه كثرته ، ( و ) من العشيرة و ( العز الذي يصونه عن سفه السفهاء وظلم الأعداء ) وعن الغض منه من جهة الأغنياء ، وأن يخوله من كبر الهمة وقوة العزيمة ما يحفظه عن التشوق للمنازل الدنية والتأخر عن بلوغ كل منزلة سنية ، ( ويستدعي كل واحد من هذه الأسباب الستة عشر أسبابا ، وتستدعي تلك الأسباب أسبابا إلى أن تنتهي بالآخرة إلى دليل المتحيرين وملجأ المضطرين ، وذلك رب الأرباب ومسبب الأسباب ) جل جلاله وعم نواله ، ( وإذا كانت تلك الأسباب طويلة لا يحتمل مثل هذا الكتاب استقصاءها ) أي طلب نهايتها ، ( فلنذكر منها أنموذجا ليعلم به معنى قوله تعالىوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهاوباللّه التوفيق ) وهو حسبي ونعم الوكيل .