تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
[ فصلت : 17 ] ، فأسباب الهدى هي الكتب والرسل وبصائر العقول ، وهي مبذولة ولا يمنع منها إلا الحسد والكبر وحب الدنيا والأسباب التي تعمي القلوب وإن كانت لا تعمي الأبصار . قال تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] ومن جملة المعميات : الإلف والعادة وحب استصحابهما ، وعنه العبارة بقوله تعالى :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ *
[ الزخرف : 22 ] الآية . وعن الكبر والحسد العبارة بقوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] وقوله تعالى :
أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ
[ القمر : 24 ] فهذه المعميات هي التي منعت الاهتداء . والهداية الثانية : وراء هذه الهداية العامة ، وهي التي يمدّ اللّه تعالى بها العبد حالا بعد حال ، وهي ثمرة المجاهدة حيث قال تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
شرح
أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا[ الأنبياء : 73 ] ولما كانت الهداية والتعليم يقتضي شيئين تعريفا من المعرف وتعرفا في المعرف وبهما تتم الهداية والتعليم ، فإنه متى حصل البذل من الهادي والمعلم ولم يصح القبول صح أن يقال : لم يهتد ولم يعلم اعتبارا بعدم القبول ، وصح أن يقال هدى وعلم اعتبارا ببذله ، وعلى الاعتبار الثاني ينزل قوله تعالى : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدىفأسباب الهدى هي الكتب والرسل وبصائر العقول ) التي هي مبدأ الهداية ( وهي مبذولة ) لهم ، ( ولا يمنع منها إلا الحسد والكبر وحب الدنيا والأسباب التي تعمي القلوب ) أي تعطى على بصيرتها ( وإن كانت لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وعمى عين القلب الباطنة أشد من عمى العين الظاهرة ، وإليه الإشارة بقوله تعالىأَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها[ محمد صلّى اللّه عليه وسلم : 24 ] ( ومن جملة المعميات الإلف والعادة ) بالشيء ( وحب استصحابهما وعنه العبارة بقوله تعالى :إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ) وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَوكذا قوله صلّى اللّه عليه وسلم « حبك للشيء يعمي ويصم » ( وعن الكبر والحسد العبارة بقوله تعالىوَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وقد تقدم الكلام عليه ( وقوله تعالىأَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ ) إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍفكل ذلك منشؤه التكبر على المؤمنين والتحاسد على ما أعطاهم اللّه تعالى ، ( فهذه المعميات التي منعت الاهتداء ) وأشدها حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة . ( والهداية الثانية : وراءها هذه الهداية العامة ) التي هي الأولى ( وهي التي يمد اللّه تعالى بها العبد حالا بعد بحسب استزادته ) من العلم والعمل الصالح وهو التوفيق الذي يختص به من اهتدى ( وهي ثمرة المجاهدة قال تعالى :وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ التغابن :