فإن قلت : فما معنى النعم التوفيقية الراجعة إلى الهداية والرشد والتأييد والتسديد ؟
فاعلم أن التوفيق لا يستغني عنه أحد : وهو عبارة عن التأليف والتلفيق بين إرادة العبد وبين قضاء اللّه وقدره ، وهذا يشمل الخير والشر وما هو سعادة وما هو شقاوة ، ولكن جرت العادة بتخصيص اسم التوفيق بما يوافق السعادة من جملة قضاء اللّه تعالى وقدره ، كما أن الإلحاد عبارة عن الميل فخصص بمن مال إلى الباطل عن الحق وكذا الارتداد ، ولا خفاء بالحاجة إلى التوفيق ولذلك قيل :
إذا لم يكن عون من اللّه للفتى * فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
فأما الهداية فلا سبيل لأحد إلى طلب السعادة إلا بها ، لأن داعية الإنسان قد تكون مائلة إلى ما فيه صلاح آخرته ولكن إذا لم يعلم ما فيه صلاح آخرته حتى يظن الفساد صلاحا فمن أين ينفعه مجرد الإرادة ؟ فلا فائدة في الإرادة والقدرة والأسباب إلا بعد الهداية ، ولذلك قال تعالى :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
[ طه :
50 ] ، وقال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
شرح
فإن قلت : فما معنى النعم التوفيقية ) التي لا تتحصل الفضائل الخارجية إلا بها ( وهي الراجعة إلى ) أربعة أشياء ( الهداية والرشد والتأييد والتسديد ؟ فاعلم أن التوفيق لا يستغني عنه أحد وهو عبارة عن التأليف والتلفيق بين إرادة العبد ) وفعله ( وبين قضاء اللّه وقدره ) والاتفاق ومطاوعة التوفيق يقال : وفقه فاتفق ( و ) لكن ( هذا يشمل الخير والشر ) جميعا ( وما هو سعادة وما هو شقاوة ) فيقال : اتفاق جيد واتفاق رديء ، فالتوفيق وإن كان في الأصل موضوعا على وجه يصلح استعماله فيهما جميعا ، ( ولكن جرت العادة بتخصيص اسم التوفيق بما يوافق السعادة ) فقط ( من جملة قضاء اللّه وقدره كما أن الإلحاد ) في الأصل ( عبارة عن الجميل ) ومنه اللحد في القبر ، ( فخصص بمن يميل إلى الباطل عن الحق وكذا الارتداد ) وأشباههما ، ( ولا خفاء بالحاجة إلى التوفيق ) كما قال الحكيم الذي لا يستغني الإنسان عنه في كل حال التوفيق ( ولذلك قيل ) :( إذا لم يكن عون من اللّه للفتى * فأكثر ما يجني عليه اجتهاده )( وأما الهداية فلا سبب لأحد إلى طلب السعادة ) ولا إلى شيء من الفضائل ( إلا بها ) أي بهداية اللّه ورحمته ويجب على كل إنسان أن يعلم ذلك ( لأن داعية الانسان قد تكون مائلة إلى ما فيه صلاح آخرته ، ولكن إذا لم يعلم ما فيه صلاح آخرته حتى يظن الفساد صلاحا فمن أين ينفعه مجرد الإرادة ؟ فلا فائدة في الإرادة والقدرة والأسباب إلا بعد الهداية ) فهي مبدأ الخيرات ومنتهاها ، كما ( قال ) اللّه ( تعالىرَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىوقال تعالى ) مخاطبا للناس : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً