يراعون السلاطين ويطلبون عندهم الجاه ، وكذلك علماء الدين لا على قصد التناول من خزائنهم أو الاستئثار والاستكثار في الدنيا بمتابعتهم ، ولا تظنن أن نعمة اللّه تعالى على رسوله صلّى اللّه عليه وسلم حيث نصره وأكمل دينه وأظهره على جميع أعدائه ومكن في القلوب حبه حتى اتسع به عزه وجاهه كانت أقل من نعمته عليه حيث كان يؤذى ويضرب حتى افتقر إلى الهرب والهجرة .
فإن قلت : كرم العشيرة وشرف الأهل هو من النعم أم لا ؟ فأقول : نعم ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « الأئمة من قريش » ، ولذلك كان صلّى اللّه عليه وسلم من أكرم الناس أرومة في
شرح
لنفسك جاها لئلا تطاك الأراذل . ( وعلى هذا القصد كان الأنبياء ) عليهم السلام ( الذين لا ملك لهم ولا سلطنة يراعون السلاطين ويطلبون عندهم الجاه ) لتمشية أمورهم الدينية ، ( وكذلك علماء الدين ) سلفا وخلفا ( لا على قصد التناول من خزائنهم أو الاستئثار والاستكثار في الدنيا بمتابعتهم ) حاشاهم اللّه عن ذلك ، ( ولا تظن أن نعمة اللّه ) تعالى ( على رسوله ) صلّى اللّه عليه وسلم ( حيث نصره وأكمل دينه ) وأتم عليه نعمته ( وأظهره على جميع أعدائه ومكن له في القلوب حتى اتسع به عزه وجاهه كانت ) تلك ( أقل من نعمته عليه حيث كان يؤذى ويضرب حتى افتقر إلى الهرب والهجرة ) من محل مولده . قال العراقي : رواه الشيخان من حديث عائشة أنها قالت للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : هل أتى عليك يوم أشد من أحد ؟ قال « لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل » . الحديث وللترمذي وصححه وابن ماجة من حديث أنس « لقد أخفت في اللّه وما يخاف أحد ، ولقد أوذيت في اللّه وما يؤذى أحد ، ولقد أتى علي ثلاثون ما بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه ابط بلال » . قال الترمذي : يعني هذا حين خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم من مكة ومعه بلال ، وللبخاري عن عروة قال : سألت عبد اللّه بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قال : رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فجاء أبو بكر فدفعه عنه الحديث . وللبزار وأبي يعلى من حديث أنس قال : لقد ضربوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى غشي عليه ، فقام أبو بكر ينادي : ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه . وإسناده صحيح على شرط مسلم .
( فان قلت : فكرم العشيرة وشرف الآباء من النعم أم لا ؟ فالقول : نعم ) والمراد بكرم العشيرة الحسب والشرف ، والشرف أخص مآثر الآباء والعشيرة ، ولذلك قيل للعلوية أشراف .
( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « الأئمة من قريش » ) قال العراقي : رواه النسائي والحاكم من حديث أنس باسناد صحيح اه . قلت : ورواه كذلك ابن أبي شيبة والبيهقي ، وروياه أيضا من حديث علي ، ورواه أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث أبي برزة بزيادة في آخره ، ورواه الطيالسي وأحمد والنسائي والطبراني وأبو نعيم والبيهقي والضياء من حديث أنس أيضا بزيادة في آخره ، ورواه الحاكم من حديث علي بزيادة في آخره .