والشهادة محاك لعالم الغيب والملكوت ، فمن الناس من يسر له نظر الاعتبار فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت فيسمي عبوره عبرة ، وقد أمر الحق به تعالى فقال :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر : 2 ] ومنهم من عميت بصيرته فلم يعتبر فاحتبس في عالم الملك والشهادة وسينفتح إلى حبسه أبواب جهنم وهذا الحبس مملوء نارا من شأنها أن تطلع على الأفئدة إلا أن بينه وبين إدراك ألمها حجابا ، فإذا رفع ذلك الحجاب بالموت أدرك ، وعن هذا أظهر اللّه تعالى الحق على لسان قوم استنطقهم بالحق فقالوا الجنة والنار مخلوقتان ، ولكن الجحيم تدرك مرة بإدراك يسمى علم اليقين ، ومرة بإدراك آخر يسمى عين اليقين ، وعين اليقين لا يكون إلا في الآخرة ، وعلم اليقين قد
شرح
محاك لعالم الغيب والملكوت ) وفي هذا العالم عجائب تستحقر إليها بالإضافة إلى عالم الشهادة وهو بالإضافة إلى عالم الملكوت كالقشرة بالإضافة إلى اللب ، وكالصورة والقالب بالإضافة إلى الروح ، وكالظلمة بالإضافة إلى النور ، وكالسفل بالإضافة إلى العلو ، ولذلك يسمى العالم العلوي والروحاني والنوراني في مقابلته العالم السفلي والجسماني والظلماني قال اللّه تعالىوَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ[ الأنعام : 59 ] أي من عنده تنزل أسباب الموجودات في عالم الشهادة إذ عالم الشهادة أثر من آثار ذلك العالم يجري منه مجرى الظل بالإضافة إلى الشخص ، ومجرى الثمر بالإضافة إلى المثمر ، والمسبب بالإضافة إلى السبب ومفاتيح معرفة المسببات لا تؤثر من الأسباب ، ولذلك كان عالم الشهادة مثالا لعالم الملكوت والمشبه لا يخلو من مؤازاة الشبه ومحاكاته نوعا من المحاكاة على قرب أو على بعد فلو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر فجعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت فما من شيء من هذا العالم إلا وهو مثال شيء من ذلك العالم ، وربما كان الشيء الواحد مثالا من الملكوت ، وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة وإنما يكون مثالا إذا ماثله نوعا من المطابقة ، ( فمن الناس من يسر له نظر الاعتبار فلا ينظر في شيء من عالم الملك ) والشهادة ( إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت فسمى عبوره ) ذلك ( عبرة ) وهو بالكسر من الاعتبار ، ( وقد أمر الخلق به فقالفَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ[ الحشر : 2 ] ومنهم من عميت بصيرته فلم يعبر فاحتبس في عالم الملك والشهادة وستفتح إلى حبسه أبواب جهنم وهذا الحبس ممتلئ نارا ) أوقدها اللّه تعالى ( شأنها أن تطلع على الأفئدة ) أي تعلو أوساط القلوب وتشتمل عليه ( إلا أن بينه وبين إدراك ألمها حجابا ، فإذا رفع ذلك الحجاب بالموت أدرك ) الألم ، ( وعن هذا أظهر اللّه تعالى الحق على لسان قوم ) من أهل السنة والجماعة ( استنطقهم بالحق ، فقالوا الجنة والنار مخلوقتان ) وهما موجودتان الآن ، فالجنة فوق السماوات والنار تحت الأرضين ، ( ولكن الجحيم تدرك مرة بادراك يسمى علم اليقين ) وهو ما أعطاه الدليل مقصور الأمر على ما هو عليه ، ( ومرة بادراك آخر يسمى عين اليقين ) وهو ما أعطته المشاهدة والكشف ، ( وعين اليقين لا