وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ، ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة ثم شهوة النكاح ، على الترتيب وليس له قوّة الصبر البتة ، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتضاد مقتضياتهما ومطالبهما ، وليس في الصبي إلا جند الهوى كما في البهائم ، ولكن اللّه تعالى بفضله وسعة جوده أكرم بني آدم ورفع درجتهم عن درجة البهائم فوكل به عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين ، أحدهما يهديه ، والآخر يقوّيه ، فتميز بمعونة الملكين عن البهائم واختص بصفتين : إحداهما معرفة اللّه تعالى ومعرفة رسوله ، ومعرفة المصالح المتعلقة بالعواقب وكل ذلك حاصل من الملك الذي إليه الهداية والتعريف .
فالبهيمة لا معرفة لها ولا هداية إلى مصلحة العواقب بل إلى مقتضى شهواتها في الحال فقط . فلذلك لا تطلب إلا اللذيذ . وأما الدواء النافع مع كونه مضرا في الحال فلا تطلبه ولا تعرفه ، فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أن اتباع الشهوات له مغبات مكروهة في
شرح
( وأما الإنسان ) فدرجته متوسطة بين الدرجتين فكأنه مركب من بهيمة وملكية ، ( فإنه خلق في ابتداء الصبي ناقصا مثل البهيمة ) أي في الإدراك إذ ليس له منه أولا إلا الحواس التي يحتاج في الإدراك بها إلى طلب القرب في المحسوس بالسعي والحركة إلى أن يشرق عليه نور العقل المتصرف في ملكوت السماوات والأرض من غير حاجة إلى حركة بالبدن وطلب قرب أو مماسة مع المدرك له بل مدركه الأمور المقدسة عن قبول القرب والبعد بالمكان . ( لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ) فهي مستولية عليه ( ثم يظهر فيه شهوة اللعب والزينة ) وفي أثناء ذلك يظهر فيه شهوة الغضب وبحسب مقتضى كل هذه الشهوات يكون انبعاثه ( ثم شهوة النكاح ، على الترتيب ) إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة وعصيان مقتضى تلك الشهوات ( وليس له قوة الصبر البتة إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتضاد مقتضياتهما ومطالبتهما وليس في الصبي إلا جند الهوى كما في البهائم ) ، يدعو إلى أفعال ملائمة لشهوته ( ولكن اللّه تعالى بفضله وسعة جوده ) وكرمه ( أكرم بني آدم ورفع درجتهم عن درجة البهائم ) إذ قد خصهم بالكمال في الإدراك وفي العقل ( فوكل به ) أي بكل واحد منهم ( عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين أحدهما يهديه والآخر يقويه فتميز بمعونة الملكين عن ) رتبة ( البهائم واختص بصفتين إحداهما : معرفة اللّه تعالى ومعرفة رسوله ، و ) الثانية : ( معرفة المصالح المتعلقة بالعواقب وكل ذلك حاصل من الملك الذي إليه الهداية والتعريف ، فالبهيمة لا معرفة لها ولا هداية إلى مصالح العواقب بل إلى مقتضى شهواتها في الحال فقط فلذلك لا يطلب إلا اللذيذ فأما الدواء النافع مع كونه مضرا في الحال فلا تطلبه ) ولا ترغب إليه ( ولا تعرفه فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أن اتباع الشهوات لها مغبات مكروهة في العاقبة ) يقال للأمر غب