إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 14
الصبر ومعناه ، إذ معرفة الفضيلة والرتبة معرفة صفة فلا تحصل قبل معرفة الموصوف ، فلنذكر حقيقته ومعناه وباللّه التوفيق . بيان حقيقة الصبر ومعناه : اعلم أن الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين ، وجميع مقامات الدين إنما تنتظم من ثلاثة أمور : معارف وأحوال وأعمال . فالمعارف هي الأصول وهي تورث الأحوال والأحوال تثمر الأعمال فالمعارف كالأشجار ، والأحوال كالأغصان ، والأعمال كالثمار . وهذا مطرد في جميع منازل السالكين إلى اللّه تعالى . واسم الإيمان تارة يختص بالمعارف وتارة يطلق على الكل كما ذكرناه في اختلاف اسم الإيمان والإسلام في الفضيلة والرتبة معرفة صفة فلا تحصل قبل معرفة الموصوف ) ، فلا بد من معرفة الموصوف الذي هو حقيقة الصبر ، ( فلنذكر حقيقته ومعناه وباللّه التوفيق ) . بيان حقيقة الصبر ومعناه : ( اعلم ) هداك اللّه تعالى ( أن الصبر مقام ) شريف ( من مقامات الدين ) وهو ثاني مقام من مقامات اليقين ( ومنزل ) منيف ( من منازل السالكين ) في طريق الحق لا يستغني عنه سالك البتة إلا رجل انسلخ من غفلته إلى حضرة ربه ، فإن هذا المنزل لا يعرفه ولا يدور حوله إلى أن يرجع إلى بشريته وإنسانيته ( وجميع مقامات الدين إنما تنتظم من ثلاثة أمور معارف وأحوال وأعمال ) ، وذلك لأن المقامات كلها من الإيمان باللّه وللّه ، كما دل عليه قوله تعالى : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي [ البقرة : 186 ] وللإيمان باللّه وللّه عقود كثيرة لا نهاية لها على ما أشرنا إليه في أول كتاب التوبة ، وكل عقد من هذه العقود أصل ، ولذلك الأصل فرع وللفرع ثمرة ( فالمعارف هي الأصول ) الثابتة في القلوب بما أمرها اللّه بها من النظر والاعتبار ( وهي تورث الأحوال ) أي إن لتلك الأصول فروعا تنشأ عنها هي مواجيد القلوب وأحوال لها بسبب ما جبلها عليه من محبة سعادتها وكمالها ( والأحوال ثمرة الأعمال ) ، أي أن لذلك الأحوال ثمارا هي الأعمال الناشئة عن أحوال القلوب ، وبها النجاة والكمال فالعلم هو الأصل الذي هو عقد من عقود الإيمان باللّه أو للّه والحال ما ينشأ عنه من المواجيد والعمل هو ما تنشئه المواجيد على القلوب والجوارح من الأعمال ( فالمعارف كالأشجار ) ، فإنها ثابتة في القلوب ثبوت الأشجار في الأرض ( والأحوال كالأغصان ) ، فإنها متفرعة عن تلك المعارف تفرع الأغصان عن الأشجار ( والأعمال كالثمار ) ، فإنها تنشأ من تلك الأحوال نشأة الثمار من الأغصان وقد بين ذلك قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ الآية . [ إبراهيم : 24 ] وتقدمت الإشارة إليه أول كتاب التوبة . ( وهذا مطرد في جميع منازل السالكين إلى اللّه تعالى ، واسم الإيمان تارة يختص بالمعارف ) فقط التي هي الأصول ( وتارة يطلق على الكل ) أي عليها مع ما ينشأ منها