تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
كتاب قواعد العقائد وكذلك الصبر لا يتم إلا بمعرفة سابقة وبحالة قائمة . فالصبر على التحقيق عبارة عنها والعمل هو كالثمرة يصدر عنها ، ولا يعرف هذا إلا بمعرفة كيفية الترتيب بين الملائكة والأنس والبهائم ، فإن الصبر خاصية الإنس ولا يتصوّر ذلك في البهائم والملائكة . أما في البهائم فلنقصانها . وأما في الملائكة فلكمالها . وبيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات وصارت مسخرة لها فلا باعث لها على الحركة والسكون إلا الشهوة ، وليس فيها قوة تصادم الشهوة وتردها عن مقتضاها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا . وأما الملائكة عليهم السلام ، فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والابتهاج بدرجة القرب منها ولم تسلط عليهم شهوة صارفة صادة عنها حتى تحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف .
شرح
ويثمر منها ( كما ذكرناه في اختلاف اسم الإيمان والإسلام في كتاب قواعد العقائد وكذا الصبر ) من جملة عقود الإيمان باللّه وللّه ( لا يتم إلا بمعرفة سابقة وبحالة قائمة ) تنشأ عن تلك المعرفة هي كالفرع لها ( فالصبر على التحقيق عبارة عنهما ) عن تلك المعرفة والحالة ( والعمل هو كالثمرة يصدر عنها ولا يعرف هذا إلا بمعرفة كيفية الترتيب بين ) الموجودات ( والملائكة والأنس والبهائم ، فإن الصبر خاصية الأنس ) أي مخصوص بنوع الإنسان لتركبه من طرفي مشابهة الملائكة والبهائم ( فلا يتصوّر ذلك في البهائم والملائكة أما ) عدم تصوّره ( في البهائم فلنقصانها ) وتسفل درجتها في نفس الحياة التي بها شرفها لأن الحي هو الدرّاك الفعال ، وفي إدراك البهيمة نقص وفي فعلها نقص أما إدراكها فنقصانها إنه مقصور على الحواس ، وإدراك الحس قاصر لأنه لا يدرك الأشياء إلا بمماسة أو بقرب منها ، فالحس معزول عن الإدراك إن لم يكن مماسة ولا قرب ، فإن اللمس والذوق يحتاجان إلى المماسة والسمع والبصر والشم يحتاجون إلى القرب وكل موجود لا يتصور فيه مماسة ولا قرب فالحس معزول عن إدراكه في هذه الحالة ، وأما فعلها فسيأتي في سياق المصنف قريبا . ( وأما ) عدم تصوّره ( في الملائكة فلكمالها ) وعلو درجتها ، ( وبيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات وصارت مسخرة ) أي منقادة ( لها فلا باعث لها على الحركة والسكون إلا الشهوة وليس فيها قوة تصادم الشهوة وتردها عن مقتضاها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا ) ، وهو إشارة إلى نقصانها في فعلها ( وأما الملائكة عليهم السلام ، فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والابتهاج بدرجة القرب منها ولم تسلط عليهم شهوة صارفة صادة عنها حتى تحتاج إلى مصادمة يصرفها عن ) مطالعة ( حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف ) ولتقدسها عن الشهوة كانت داعية للقرب إلى اللّه تعالى .