خالق الأشياء شيئا وإنما أنت لا شيء إذ كنت أنت ظانا لنفسك شيئا من ذاتك ؛ فأما باعتبار النظر إلى الذي جعل الأشياء أشياء فأنت شيء إذ جعلك شيئا ، فإن قطع النظر عن جعله كنت لا شيء تحقيقا ، وإلى هذا أشار صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » لما قيل له : يا رسول اللّه ففيم العمل إذا كانت الأشياء قد فرغ منها من قبل ؟
فتبين أن الخلق مجاري قدرة اللّه تعالى ومحل أفعاله وإن كانوا هم أيضا من أفعاله ، ولكن بعض أفعاله محل للبعض . وقوله : اعملوا » وإن كان جاريا على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فهو فعل من أفعاله ، وهو سبب لعلم الخلق أن العمل نافع وعلمهم فعل من أفعال اللّه تعالى ، والعلم سبب لانبعاث داعية جازمة إلى الحركة والطاعة ، وانبعاث الداعية أيضا من أفعال
شرح
الأشياء شيئا وإنما أنت لا شيء ) في الحقيقة ( إذ كنت أنت أنت ) في الأزل ( ظانا لنفسك شيئية من ذلك فأما باعتبار النظر إلى الذي جعل الأشياء أشياء ) أي موجدة في الأعيان ، ( فأنت شيء إذ جعلك شيئا فإن قطع النظر عن جعله شيئا كنت لا شيء تحقيقا وإلى هذا أشار صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » ) أي اعملوا بظاهر ما أمرتم فكل من خلق مهيء ومصروف لأمر خلق ذلك الأمر له فلا يقدر البتة على عمل غيره ، وهذا القول قاله ( لما قيل له ففيم العمل إذا كانت الأشياء قد فرغ منها من قبل ) ؟ رواه الطبراني من حديث ابن عباس وعمران بن حصين بلفظ : قال رجل يا رسول اللّه أنعمل فيما جرت به المقادير وجف به القلم أو شيء نستأنفه ؟ فقال : « بل بما جرت به المقادير وجف به القلم » قال : ففيم العمل ؟ قال « اعملوا » الخ . ورجاله ثقات وروى الشيخان من حديث علي قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس وجعل ينكت بمخصرته ثم قال : « ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة » فقالوا : يا رسول اللّه أفلا نتكل على ما كتب ؟ فقال : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » . ( فبيّن ) صلّى اللّه عليه وسلم ( أن الخلق مجاري قدر اللّه ومحل أفعاله وإن كانوا هم أيضا من أفعاله ، ولكن بعض أفعاله محل للبعض وقوله :
« اعملوا » ) من الأسلوب الحكيم منعهم عن الإتكال وترك العمل وأمرهم بإمساك ما يجب على العبد من امتثال أمر ربه وعبوديته عاجلا وتفويض الأمر إليه آجلا يعني أنتم عبيد ولا بدّ لكم من العبودية فعليكم بما أمرتم به وإياكم والتصرف في الأمور الإلهية لآية :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] فلا تجعلوا العبادة وتركها سببا مستقلا لدخول الجنة والنار ، بل هو أمارات وعلامات ولا بد في الإيجاب من لطف اللّه وخذلانه ، وهذا القول ( وإن كان جاريا على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فهو فعل من أفعاله وهو سبب لعلم الخلق بأن العلم نافع وعلمهم فعل من أفعال اللّه تعالى والعلم سبب لانبعاث داعية جازمة إلى الحركة والطاعة وانبعاث الداعية أيضا من أفعال اللّه تعالى وهو سبب لحركة الأعضاء وهي أيضا من أفعال اللّه تعالى