تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
ومثنيا ، ففني عن مشاهدة نفسه إذ رأى ذلك نقصانا واقترب فقال : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » فقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لا أحصي » خبر عن فناء نفسه وخروج عن مشاهدتها ، وقوله : « أنت كما أثنيت على نفسك » بيان أنه المثني والمثنى عليه وأن الكل منه بدا وإليه يعود وأن كل شيء هالك إلا وجهه ؛ فكان أول مقاماته نهاية مقامات الموحدين وهو أن لا يرى إلا اللّه تعالى وأفعاله ، فيستعيذ بفعل من فعل : فانظر إلى ما ذا انتهت نهايته إذا انتهى إلى الواجد الحق حتى ارتفع من نظره ومشاهدته سوى الذات الحق ، ولقد كان صلّى اللّه عليه وسلم لا يرقي من رتبة إلى أخرى إلا ويرى الأولى بعدا بالإضافة إلى الثانية ، فكان يستغفر اللّه من الأولى ويرى ذلك نقصا في سلوكه وتقصيرا في مقامه وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنه ليغان على قلبي حتى استغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » فكان ذلك لترقيه إلى سبعين مقاما بعضها فوق البعض : أولها وإن كان مجاوزا أقصى غايات الخلق ولكن كان نقصانا بالإضافة إلى آخرها ، فكان استغفاره لذلك . ولما قالت عائشة رضي اللّه عنها : أليس قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما
شرح
ولكن رأى نفسه فارا منه إليه ومستعيذا ومثنيا ففني عن مشاهدة نفسه إذ رأى ذلك نقصانا واقترب فقال : « أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك » ) أي إني لا أطيق بمحامدك وصفات إلهيتك وإنما أنت المحيط بها وحدك ( فقوله : لا أحصي خبر عن فناء نفسه وخروجه عن مشاهدتها . وقوله : أنت كما أثنيت على نفسك بيان أنه المثني وهو المثني عليه ) وهو الذي أشار إليه الصديق رضي اللّه عنه حيث قال : العجز عن درك الإدراك إدراك ( وأن الكل منه بدا وإليه يعود وأن كل شيء هالك إلا وجهه ) وأنه لا يحيط مخلوق من ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة ( فكان أول مقامه ) صلّى اللّه عليه وسلم ( نهاية مقام الموحدين وهو أن لا يرى ) في الوجود ( إلا اللّه وأفعاله فيستعيذ بفعل من فعل ، فانظر إلى الواحد الحق حتى ارتفع من نظره ومشاهدته سوى الذات الحق ) وهذا المقام غاية ما ينتهي إليه من تم له مقام الفناء المطلق ، ( ولقد كان صلّى اللّه عليه وسلم لا يرقي من رتبة إلى أخرى إلا ويرى الأولى بعدا ) من اللّه تعالى ( بالإضافة إلى الثانية فكان يستغفر اللّه تعالى من الأولى ، ويرى ذلك نقصا في سلوكه وتقصيرا في مقامه ) وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ( وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » ) رواه أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان من حديث الأغر بن بشار المزني بلفظ : « إنه ليغان على قلبي وإني لاستغفر اللّه في اليوم مائة مرة » . وقد تقدم في كتاب التوبة وقبله في كتاب الدعوات ، ( فكان ذلك لترقيه إلى سبعين مقاما بعضها فوق البعض أوائلها وإن كان مجاورا أقصى غايات الخلق ، ولكن كان نقصا بالإضافة إلى أواخرها فكان استغفاره لذلك ) وقد تقدم الكلام عليه . ( ولما قالت عائشة رضي اللّه عنها ) للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : ( قد غفر اللّه لك ما تقدم من