تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
تحقيقا ، فإن جاوز حد العمى إلى العمش أدرك تفاوتا بين الموجودين ، فأثبت عبدا وربا فبهذا القدر من اثبات التفاوت والبعض من الموجود الآخر دخل في حد التوحيد ، ثم إن كحل بصره بما يزيد في أنواره فيقل عمشه وبقدر ما يزيد في بصره يظهر له نقصان ما أثبته سوى اللّه تعالى ؛ فإن بقي في سلوكه كذلك فلا يزال يفضي به النقصان إلى المحو ، فينمحي عن رؤية ما سوى اللّه فلا يرى إلا اللّه فيكون قد بلغ كمال التوحيد ، وحيث أدرك نقصا في وجود ما سوى اللّه تعالى دخل في أوائل التوحيد ، وبينهما درجات لا تحصى ، فبهذا تتفاوت درجات الموحدين ، وكتب اللّه المنزلة على ألسنة رسله هي الكحل الذي به يحصل أنوار الأبصار ، والأنبياء هم الكحالون ، وقد جاؤوا داعين إلى التوحيد المحض ، وترجمته قول « لا إله إلا اللّه » ومعناه أن لا يرى إلا الواحد الحق ، والواصلون إلى كمال التوحيد هم الأقلون ، والجاحدون والمشركون أيضا قليلون ، وهم على الطرف الأقصى المقابل لطرف التوحيد ، إذ عبدة الأوثان قالوا :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] فكانوا داخلين في أوائل أبواب التوحيد دخولا ضعيفا
شرح
آخر ، ( كما كان الذي قبله جاحدا تحقيقا ) لأنه جحد ما هو الحق الثابت ، ( فإن جاوز حد العمى إلى العمش ) وهو ضعف البصر بسيلان الدمع ( أدرك تفاوتا بين الموجودين فأثبت عبدا وربا ) وقسم الموجود إلى واجب وممكن ( فبهذا القدر من إثبات التفاوت ) بين الموجودين ( والبعض من الموجود الآخر دخل في حد التوحيد ) أي أوائله ، ( ثم إن كحل بصره بما يزيد في أنواره فيقل عمشه ) وسيلان دمعه ( وبقدر ما يزيد في بصره يظهر له نقصان ما أثبته سوى اللّه تعالى ، فإن بقي في سلوكه كذلك فلا يزال يفضي به النقصان إلى المحو فينمحي عن رؤية ما سوى اللّه تعالى فلا يرى ) في الوجود ( إلا اللّه تعالى فيكون ) بذلك ( قد بلغ كمال التوحيد ) فإذا كمال التوحيد المحو عن رؤية ما سوى اللّه تعالى ذاتا وفعلا ( وحيث أدرك نقصا في وجود ما سوى اللّه تعالى دخل في أوائل التوحيد وبينهما درجات لا تحصى ، فبهذا تتفاوت درجات الموحدين ) وتختلف مشاربهم وأذواقهم ( وكتب اللّه المنزلة على رسله هي الكحل الذي تحصل به أنوار الأبصار ) وبهذا الاعتبار سميت أنوارا ( والأنبياء ) عليهم السلام ( هم الكحالون وقد جاؤوا داعين إلى التوحيد المحض وترجمته قول لا إله إلا اللّه ) الدالة على التوحيد ( ومعناه ) في الحقيقة ( أن لا يرى إلا الواحد الحق )قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ[ الأنعام : 91 ] ( والواصلون إلى كمال التوحيد الأقلون والجاحدون والمشركون أيضا قليلون وهم على الطرف الأقصى لطرف التوحيد ، إذ عبدة الأوثان قالوا :ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفىفكانوا داخلين في أوائل أبواب التوحيد دخولا ضعيفا ) بهذا الخيال القائم في أذهانهم ( والمتوسطون هم الأكثرون ،