تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
والمتوسطون هم الأكثرون ، وفيهم من تنفتح بصيرته في بعض الأحوال فتلوح له حقائق التوحيد ولكن كالبرق الخاطف لا يثبت ، وفيهم من يلوح له ذلك ويثبت زمانا ولكن لا يدوم والدوام فيه عزيز .
لكل إلى شأو العلا حركات * ولكن عزيز في الرجال ثبات
ولما أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بطلب القرب فقيل له :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
[ العلق : 19 ] قال في سجوده : « أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ، فقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أعوذ بعفوك من عقابك » كلام عن مشاهدة فعل اللّه فقط فكأنه لم ير إلا اللّه وأفعاله ، فاستعاذ بفعله من فعله ، ثم اقترب ففني عن مشاهدة الأفعال ، وترقى إلى مصادر الأفعال وهي الصفات فقال : « أعوذ برضاك من سخطك » وهما صفتان ، ثم رأى ذلك نقصانا في التوحيد فاقترب ورقي من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة الذات فقال : « أعوذ بك منك » وهذا فرار منه إليه من غير رؤية فعل وصفة ، ولكنه رأى نفسه فارا منه إليه ومستعيذا
شرح
وفيهم من تنفتح بصيرته في بعض الأحوال ) والأحيان ( فتلوح له حقائق التوحيد ، ولكن كالبرق الخاطف ) يذهب سريعا و ( لا يثبت ) فهو أشبه شيء بالأحوال ( وفيهم من يلوح له ذلك ويثبت زمانا ) فيكون أشبه شيء بالمقامات ، ( ولكن لا يدوم والدوام فيه عزيز ) كما قيل :( لكل إلى شأو العلا حركات * ولكن عزيز في الرجال ثبات )( ولما أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بطلب القرب فقيل له : ) كلا لا تطعه و (اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) أي دم على سجودك وتقرب من ربك . وقال مجاهد : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ألا تسمعون يقول :اسْجُدْ وَاقْتَرِبْأخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر ولما سجد ( قال في سجوده : « أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ) رواه مسلم من حديث عائشة بلفظ : « أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك » والباقي سواء وقد تقدم ( فقوله : أعوذ بعفوك من عقابك كلام عن مشاهدة فعل اللّه فقط فكأنه لم ير إلا اللّه وأفعاله فاستعاذ بفعله عن فعله ) وهذا قسم من الفناء المطلق ، وهو أن يتجلى الحق لعبده بطريق الأفعال ويسلب عنه اختياره وإرادته فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلا إلا بالحق ( ثم اقترب ففني عن مشاهدة الأفعال وترقى إلى مصادر الأفعال وهي الصفات فقال « أعوذ برضاك من سخطك » وهما ) أي الرضا والسخط ( صفتان ) من صفات اللّه ( ثم رأى نقصانا في التوحيد فاقترب من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة الذات فقال : « أعوذ بك منك » وهذا فرار منه إليه في غير رؤية فعل وصفة ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 115 | مرتضى الزبيدي