تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
فقد أحب نفسه ، وكل ما في الوجود سوى اللّه تعالى فهو تصنيف اللّه تعالى وصنعته ؛ فإن أحبه فما أحب إلا نفسه وإذا لم يحب إلا نفسه فبحق أحب ما أحب وهذا كله نظر بعين التوحيد ، وتعبر الصوفية عن هذه الحالة بفناء النفس أي فني عن نفسه وعن غير اللّه فلم ير إلا اللّه تعالى ، فمن لم يفهم هذا ينكر عليهم ويقول : كيف فني وطول ظله أربعة أذرع ولعله يأكل في كل يوم أرطالا من الخبز ، فيضحك عليهم الجهال لجهلهم بمعاني كلامهم ، وضرورة قول العارفين أن يكونوا ضحكة للجاهلين ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ
[ المطففين : 29 - 33 ] ثم بين إن ضحك العارفين عليهم غدا أعظم ، إذ قال تعالى : اليوم
الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ
[ المطففين : 34 ، 35 ] وكذلك أمة نوح عليه السلام كانوا يضحكون عليه عند اشتغاله
شرح
وكل ما في الوجود سوى اللّه تعالى فهو تصنيف اللّه وصنعته ) بيد قدرته وبديع حكمته ، ( فإن أحبه فما أحب إلا نفسه ) بهذا الاعتبار ، ( فإذا لا يحب إلا نفسه فبحق أحب ما أحب ) وهو يفتح بابا عظيما من علوم المكاشفة ، ( وهذا كله نظر بعين التوحيد ) المحض وهو الذي أشار إليه حبيب بن أبي حبيب وأبو سعيد الميهني ( وتعبر الصوفية عن هذه الحالة بفناء النفس أي فني عن نفسه وعن غير اللّه فلم ير إلا اللّه تعالى ) وذلك عند استيلاء أمر الحق سبحانه عليه ، فيغلب كون الحق على كونه فيسلب عنه اختياره وإرادته فلا يرى للغير وجودا إلا بالحق ، ( فمن لا يفهم هذا ) ولا يذوقه ( ينكر عليهم ) بجمود ذهنه ( ويقول : كيف فني وطول ظله أربعة أذرع ، ولعله يأكل في كل يوم عدة أرطال من الخبز ) ويشرب كذا وكذا من الماء ( فيضحك عليهم الجهال لجهلهم بمعاني كلامهم ) وغفلتهم عن أحوالهم . ( وضرورة قول العارفين أن يكونوا ضحكة للجاهلين ) أي يكونوا ممن يضحك عليهم ، ( وإليه الإشارة بقوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * )أي يستهزؤن ( وإذا مرّوا بهم يتغامزون * ) أي يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم ( وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين * ) أي ملتذين بالسخرية ( وإذ رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ) فنسبوهم إلى الضلال ( وما أرسلوا عليهم ) أي على المؤمنين ( حافظين ) يحفظون عليهم أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم ، ( ثم بيّن أن ضحك العارفين عليهم أعظم إذ قال تعالى :فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَحين يرونهم أذلاء مغلولين في النار ، وقيل يفتح لهم باب الجنة فيقال لهم : أخرجوا إليها فإذا وصلوا أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم حال كونهم (عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ *) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ، ( وكذلك أمة نوح عليه السلام ) لما أراد اللّه إهلاكهم بالغرق وأمر نوح عليه السلام بعمل السفينة ( كانوا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 112 | مرتضى الزبيدي