قيوم إلا واحد ، ولا يتصور أن يكون غير ذلك ؛ فإذا ليس في الوجود غير الحي القيوم وهو الواحد الصمد ، فإن نظرت من هذا المقام عرفت أن الكل منه مصدره وإليه مرجعه ، فهو الشاكر وهو المشكور ، وهو المحب وهو المحبوب ، ومن ههنا نظر حبيب بن أبي حبيب حيث قرأ :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
[ ص :
44 ] ، فقال وا عجباه أعطى وأثنى إشارة إلى أنه إذا أثنى على إعطائه فعلى نفسه أثنى ، فهو المثني وهو المثنى عليه ، ومن ههنا نظر الشيخ أبو سعيد الميهني حيث قرىء بين يديه
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] ، فقال : لعمري يحبهم ودعه يحبهم فبحق يحبهم لأنه إنما يحب نفسه ، أشار به إلى أنه المحب وانه المحبوب ، وهذه رتبة عالية لا تفهمها إلا بمثال على حد عقلك فلا يخفى عليك أنّ المصنف إذا أحب تصنيفه فقد أحب نفسه ، والصانع إذا أحب صنعته فقد أحب نفسه ، والوالد إذا أحب ولده من حيث أنه ولده
شرح
دوام وجوده وجود غيره فهو القائم بنفسه مطلقا فإن كان مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور للأشياء وجود ولا دوام وجود إلا به فهو القيوم لأن قوامه بذاته وقوام كل شيء به ، ( ولا قيوم إلا واحد ولا يتصور أن يكون غير ذلك ، فإذا ليس في الوجود غير الحي القيوم وهو الواحد الصمد ) الفرد الأحد جلّ شأنه ، ( فإن نظرت من هذا المقام عرفت أن الكل منه مصدره وإليه مرجعه فهو الشاكر وهو المشكور وهو المحب وهو المحبوب ) فإنك إن نظرت إلى معنى الثناء فثناء كل مثن على فعل غيره واللّه تعالى إذا اثنى على أعمال عباده ، فقد أثنى على فعل نفسه لأن أعمالهم من خلقه قال اللّه تعالى :وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ[ الصافات : 96 ] وإن كان الذي أعطى فأثنى شكورا فالذي أعطى وأثنى على المعطي أحق أن يكون شكورا . ( ومن ههنا نظر حبيب بن أبي حبيب ) البجلي البصري أبو عمر نزيل الكوفة تقدم ذكره ( حيث قرأ ) قوله تعالى : (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌفقال :
وا عجباه أعطى وأثنى ) فهذا ثناء اللّه على عباده وهو ( إشارة إلى أنه إذا أثنى على إعطائه فعلى نفسه أثنى فهو المثني وهو المثنى عليه ومن ههنا نظر الشيخ أبو سعيد ) الفضل بن أحمد بن محمد المعروف بابن أبي الحسن ( الميهني ) صاحب كرامات حدث عن أبي علي زاهر بن أحمد السرخسي ، وعنه أبو القاسم سلمان بن ناصر الأنصاري مات بميهنة وهي بكسر الميم وسكون المثناة التحتية وهاء مفتوحة ونون . قرية بخابران بين سرخس وأبيورد سنة 330 ( حيث قرىء بين يديه ) قوله تعالى : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُفقال : لعمري يحبهم ودعه يحبهم ودعهم يحبونه فبحق يحبهم لأنه إنما يحب نفسه ) ، فهو قد ( أشار به إلى أنه المحب وأنه المحبوب ) وفي تقديم يحبهم إشارة إلى أنه لولا سبق محبته لنا لما أحببناه ، ( وهذه رتبة عالية لا تفهمها إلا بمثال على حدّ عقلك فلا يخفى عليك أن المصنف إذا أحب تصنيفه فقد أحب نفسه والصانع إذا أحب صنعته فقد أحب نفسه ، والوالد إذا أحب ولده من حيث أنه ولده فقد أحب نفسه ،