ملامح ونقول : ههنا نظران : نظر بعين التوحيد المحض وهذا النظر يعرفك قطعا أنه الشاكر وأنه المشكور وأنه المحب وأنه المحبوب ، وهذا نظر من عرف أنه ليس من الوجود غيره وأن كل شيء هالك إلا وجهه وأن ذلك صدق في كل حال أزلا وأبدا ، لأن الغير هو الذي يتصور أن يكون له بنفسه قوام ، ومثل هذا الغير لا وجود له بل هو محال أن يوجد ، إذ الموجود المحقق هو القائم بنفسه ، وما ليس له بنفسه قوام فليس له بنفسه وجود بل هو قائم بغيره فهو موجود بغيره ؛ فإن اعتبر ذاته ولم يلتفت إلى غيره لم يكن له وجود البتة ، وإنما الموجود هو القائم بنفسه والقائم بنفسه هو الذي لو قدّر عدم غيره بقي موجودا ، فإن كان مع قيامه بنفسه يقوم بوجوده وجود غيره فهو قيوم ، ولا
شرح
لتعلقها بعالم الغيب ولا يليق بكشف أسرارها ، ( ولكنا نشير إلى ملامح ) وإشارات ( ونقول :
ههنا نظر أن نظر بعين التوحيد المحض وهو النظر يعرفك قطعا أنه الشاكر وأنه المشكور ) فأما المشكور فظاهر ، وأما كونه الشاكر فإنه هو الموفق لعبيده لأن يشكروا وهو الذي ألهم على ألسنتهم وقلوبهم الثناء له ، فبهذا الاعتبار يسمى شاكرا ( فإنه المحب وأنه المحبوب ) كما يشير لذلك قوله تعالى :يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ[ المائدة : 54 ] ( وهذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره وأن كل شيء هالك إلا وجهه وأن ذلك صدق في كل حال أزلا وأبدا ) وهذا النظر لمن ترقى من حضيض المجاز إلى ذروة الحقيقة واستكمل معراجه ، فرأى بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا اللّه وأن كل شيء هالك أزلا وأبدا لا يتصور إلا كذلك ، ( لأن الغير هو الذي يتصور أن يكون له بنفسه قوام ومثل هذا الغير ) ان اعتبر في ذاته من حيث ذاته ( فلا وجود له بل هو ) عدم محض و ( محال أن يوجد ) وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول رؤي موجودا في ذاته لكن من الوجه الذي يلي موجوده ، فيكون الموجود وجه اللّه فقط ولكل شيء وجهان : وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه ، فهو باعتبار وجه نفسه عدم وباعتبار وجه اللّه موجود ، فإذا لا موجود إلا اللّه ووجهه ، فإذا كل شيء هالك إلا وجهه أزلا وأبدا ، وقد أشار إليه المصنف بقوله : ( إذا الموجود المحقق هو القائم بنفسه ) أو بذاته ( وما ليس له بنفسه قوام فليس له بنفسه وجود بل هو قائم بغيره فهو موجود بغيره ، فإن اعتبر ذاته ولم يلتفت إلى غيره لم يكن له وجود البتة ، وإنما الموجود هو القائم بنفسه هو الذي لو قدر عدم غيره يعني موجودا فإن كان مع قيامه بنفسه يقوم بوجوده ووجود غيره فهو قيوم ) ، وبيان ذلك أن الأشياء تنقسم إلى ما لا يقوم بنفسه ويفتقر إلى محل كالاعراض والأوصاف فيقال فيهما إنها ليست قائمة بأنفسها وإلى ما لا يحتاج إلى محل ، فيقال قائم بنفسه كالجواهر إلا أن الجوهر وإن استغنى عن محل يقوم به فليس مستغنيا عن أمور لا بدّ منها لوجوده ، ويكون شرطا في وجوده فلا يكون قائما بنفسه لأنه محتاج في قوامه إلى وجود غيره ، وإن لم يحتج مع ذلك إلى محل فإن كان موجودا يكفي ذاته بذاته ولا قوام له بغيره ، ولا يشترط في