تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
إلى فعل اللسان مع بعض أحوال القلب . وقول من قال إن الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه نظر إلى مجرد عمل اللسان . وقول القائل : إن الشكر هو الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة جامع لأكثر معاني الشكر لا يشذ منه إلا عمل اللسان . وقول حمدون القصار شكر النعمة : أن ترى نفسك في الشكر طفيليا ، إشارة إلى أن معنى المعرفة من معاني الشكر فقط وقول الجنيد الشكر : أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة إشارة إلى حال من أحوال القلب على الخصوص وهؤلاء أقوالهم تعرب عن أحوالهم ؛ فلذلك تختلف أجوبتهم ولا تتفق ، ثم قد يختلف جواب كل واحد في حالتين
شرح
اللسان مع بعض أحوال القلب ) فالاعتراف من جملة أحوال القلب والخضوع ظهوره على اللسان ، وهو أيضا سبب للشكر لا نفسه ، وقد ذكر القشيري أيضا ان الشكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام : شكر باللسان فهو اعتراف بالنعمة بنعت الاستكانة ، وشكر بالبدن والأركان وهو اتصاف بالوفاق والخدمة ، وسيأتي ذكر القسم الثالث . ( وقول من قال : إن الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه ) ولفظ الرسالة : ويحتمل أن يقال حقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه إليه وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عليه بذكر إحسانه له ( نظر إلى مجرد عمل اللسان ) لأن الثناء والمدح من عمل اللسان خاصة ، ( وقول القائل : إن الشكر هو اعتكاف على بساط الشهود ) أي حضور الفضل ورؤيته ( بإدامة حفظ الحرمة ) ، وهذا هو القسم الثالث من أقسام الشكر وهو شكر القلب كما في الرسالة ، وحقيقة الشكر إنما تحصل باجتماع هذه الثلاثة مع الإمكان وهو ( جامع لأكثر معاني الشكر لا يشذ منه إلا عمل اللسان ) الذي هو الاعتراف بالنعمة بنعت الخضوع وقريب منه قول أبي بكر الوراق شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة ، ولكن هذا سبب للشكر لا نفسه وليس بجامع كالقول السابق ، ( وقول حمدون القصار ) وهو أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة النيسابوري منه انتشر مذهب الملامتية بنيسابور صحب أبا تراب النخشبي ، ومسلم الباروسي مات سنة احدى وتسعين ومائتين ( شكر النعمة أن ترى نفسك في الشكر طفيليا ) نقله القشيري أي تضيف النعمة إلى فاعلها وتبرأ من إضافتها إليك ، وهو ( إشارة إلى أن معنى المعرفة من معاني الشكر فقط ) كأنه يرجع إلى الاعتراف بالنعمة وإضافتها للمنعم ، ويقرب منه قول بعضهم : الشكر إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة ، هذا أيضا يرجع إلى معنى الاعتراف وليس يجامع حقيقة الشكر . ( وقول الجنيد ) قدس سره : ( إن الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة ) نقله القشيري أي لأن من لم ير ذلك ورأى أن النعمة فضل من اللّه تعالى استحيا من اللّه أن يكون شكره جزاء عليها لأنه إذا لاحظ شكره نعمة أخرى احتاج إلى شكر فهو يتبرأ من أن يكون شاكرا أبدا ، وهو ( إشارة إلى حال من أحوال القلب على الخصوص ) ، ويقرب منه قول يحيى بن معاذ لست بشاكر ما دمت تشكر وغاية الشكر التحير . ( وهؤلاء ) السادة ( أقوالهم تعرب ) أي تفصح ( عن أحوالهم ) التي هي ثمرات أعمالهم ، ( فلذلك تختلف أجوبتهم ولا تتفق ، ثم قد يختلف جواب كل واحد في حالين )
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 106 | مرتضى الزبيدي