تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ
[ العنكبوت : 17 ] ، وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ
[ الأعراف : 194 ] ، فالشكر باللسان من جملة الشكر . وقد روي أن وفدا قدموا على عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه ، فقام شاب ليتكلم ، فقال عمر : الكبر الكبر ! فقال : يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أسن منك ! فقال : تكلم ، فقال : لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة ، أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك ، وأما الرهبة فقد أمننا منها عدلك ، وإنما نحن وفد الشكر جئناك نشكرك باللسان وننصرف . فهذه هي أصول معاني الشكر المحيطة بمجموع حقيقته . فأما قول من قال : إن الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع فهو نظر
شرح
الرِّزْقَوقال تعالى : « إن الذين تدعوهم من دون اللّه عباد أمثالكم » ) والعبادة هي الخدمة ، والطاعة بذل ولا يحسن بالعبد المقبل أن يظهر فقره وفاقته إلى غير مولاه الذي يلي تدبيره ويتولاه لأنه عليم خبير بحاله يسمعه ويراه وهو أعلم بما يصلحه منه ، ( فالشكر باللسان ) وحسن الثناء وجميل البشر للنعماء وتعديد النعم والآلاء ( من جملة الشكر ) لأن معنى الشكر في اللغة هو الكشف والإظهار . يقال : كثر وشكر بمعنى إذا كشف عن ثغره وأظهر فيكون إظهار الشكر وكشفه باللسان ما ذكرناه ، ( وقد روي أن وفدا قدموا على عمر بن عبد العزيز ) رحمه اللّه تعالى في أيام خلافته ( فقام شاب ) من الوفد ( ليتكلم فقال عمر : الكبر الكبر ) بضم الكاف فيهما أي قدموا للتكلم الأكبر فالأكبر ، وهذا اللفظ قد روي مرفوعا في حديث سهل بن أبي حثمة رواه الشيخان ، وأبو داود ، ( فقال : يا أمير المؤمنين لو كان الأمر ) أي التقدم ههنا ( بالسن لكان ) غيرك مقدما عليك إذ ( في المسلمين من هو أسن منك ) لعرف فضله ورفعته على من معه ، ( فقال : تكلم . فقال ) : يا أمير المؤمنين ( لسنا وفد الرغبة ) أي لطلب شيء منك ( ولا وفد الرهبة ) أي الخوف لشيء نطلب منك خلاصه ، ( أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك ) ونحن ببلادنا ، ( وأما الرهبة فقد أمننا منها عدلك ) ونحن كذلك ببلادنا ، ( وإنما نحن وفد الشكر جئناك نشكرك باللسان وننصرف ) على ما نحن عليه من فضلك وأمنك نقله القشيري في الرسالة ، ولفظه : وقيل قدم وفد على عمر بن عبد العزيز وكان فيهم شاب فأخذ يخطب فقال عمر : الكبر الكبر . فقال الشاب : يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن فذكره ، وفائدة ذلك التأكيد في طلب تبليغ الشكر لمن يستحقه ، فإذا كان المنعم حاضرا والنعم متوالية والقلب واللسان صامت عن الشكر كان من أقبح القبائح عادة وشرعا ( فهذه هي أصول معاني الشكر المحيطة بمجموع حقيقته ) . ( فأما قول من قال إن الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع ) نقله القشيري في الرسالة ولفظه : وحقيقة الشكر عند أهل التحقيق فذكره ، ( فهو نظر إلى فعل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 105 | مرتضى الزبيدي