حتى قال : في الثالثة بخير أحمد اللّه وأشكره ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « هذا الذي أردت منك » ، وكان السلف يتساءلون ونيتهم استخراج الشكر للّه تعالى ليكون الشاكر مطيعا والمستنطق له به مطيعا وما كان قصدهم الرياء بإظهار الشوق ، وكل عبد سئل عن حال فهو بين أن يشكر أو يشكو أو يسكت ، فالشكر طاعة والشكوى معصية قبيحة من أهل الدين وكيف لا تقبح الشكوى من ملك الملوك وبيده كل شيء إلى عبد مملوك لا يقدر على شيء ؛ فالأحرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء وأفضى به الضعف إلى الشكوى أن تكون شكواه إلى اللّه تعالى ، فهو المبلي والقادر على إزالة البلاء . وذل العبد لمولاه عز ، والشكوى إلى غيره ذل ؛ وإظهار الذل للعبد مع كونه عبدا مثله ذل قبيح . قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ
شرح
قال ) الرجل ( في ) المرة ( الثالثة بخير أحمد اللّه وأشكره فقال ) صلّى اللّه عليه وسلم ( « هذا الذي أردت منك » ) يعني إظهار الحمد والشكر والثناء . قال العراقي : رواه الطبراني في الدعاء من رواية الفضيل بن عمرو مرفوعا نحوه . قال في الثالثة : بخير أحمد اللّه وهذا معضل . ورواه في المعجم الكبير من حديث عبد اللّه بن عمرو وليس فيه تكرار السؤال وقال : أحمد اللّه إليك وفيه رشدين ابن سعد ضعفه الجمهور لسوء حفظه ، ورواه مالك في الموطأ موقوفا على عمر بإسناد صحيح . ( وكان السلف يتساءلون ) إذا التقوا ( عن أحوالهم ونيتهم استخراج الشكر للّه تعالى ليكون الشاكر مطيعا ) بشكره ( والمستنطق له به مطيعا ) باستخراجه إياه منه فيكون شريكه في ذلك لأنه سبب ذكره تعالى ، ( وما كان قصدهم الرياء بإظهار الشوق ، وكل عبد سئل عن حال فهو بين أن يشكر اللّه ) تعالى ( أو يشكو أو يسكت ، فالشكر طاعة والشكوى معصية قبيحة من أهل الدين ) فمن علمت أنه يشكو مولاه ويتكره عندك قضاء إذا سألته عن حاله فلا تسأله فتكون أنت سببا لشكواه وشريكا في جهله وما أقبح بالعبد أن يشكو مولاه ، ( وكيف لا تقبح الشكوى من ملك الملوك ) الذي ليس كمثله شيء ( وبيده ) ملكوت ( كل شيء إلى عبد مملوك لا يقدر على شيء ) ومثله كل شيء ، ( والأحرى بالعبد إذا لم يحسن الصبر إلى القضاء والبلاء وأفضى به الضعف ) أي ضعف اليقين ( إلى الشكوى ) ولا بدّ ( أن تكون شكواه إلى اللّه تعالى فهو المبلي والقادر على إزالة البلاء ، ولذا قال يعقوب عليه السلام : إنما أشكو بثي ) وحزني إلى اللّه ( وذل العبد لمولاه عز والشكوى ذل وإظهار الذل للعبيد مع كونهم أذلاء قبيح ) ولفظ القوت : ويعلم أن الذل والصبر عند المنع عز وشرف وهو أفضل وأنفس عند العلماء من التعزز بالعبيد والشرف بهم ، وأن الطمع التذلل إليهم والاستشراف إلى عبد مملوك مثلك ذل ذليل وحسن الذل للعزيز كحسن الذل للحبيب وقبح الذل للذليل كقبح الذل للعدوّ ، وقد ( قال تعالى :إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ