تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
الملك حتى تدوم مشاهدته له وقربه منه ، ولذلك قال الشبلي رحمه اللّه : الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة . وقال الخوّاص رحمه اللّه : شكر العامة على المطعم والملبس والمشرب . وشكر الخاصة على واردات القلوب ، وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في البطن والفرج ومدركات الحواس من الألوان والأصوات وخلا عن لذة القلب ، فإن القلب لا يلتذ في حال الصحة إلا بذكر اللّه تعالى ومعرفته ولقائه ، وإنما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات كما يلتذ بعض الناس بأكل الطين وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة ويستحلي الأشياء المرة كما قيل :
ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرا به الماء الزلالا
فإذا هذا شرط الفرح بنعمة اللّه تعالى فإن لم تكن إبل فمعزى ، فإن لم يكن هذا فالدرجة الثانية ، أما الأولى فخارجة عن كل حساب ، فكم من فرق بين من يريد الملك
شرح
الركض ، ( بل من حيث أنه يحمله في صحبة الملك حتى تدوم مشاهدته له وقربه منه ) ومكانته لديه ، ( ولذلك قال الشبلي رحمه اللّه تعالى : الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة ) نقله القشيري في الرسالة أي بأن يكون السابق منهما إلى القلب رؤية المنعم ، وهذا كما قال بعضهم : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله أي الغالب على القلب رؤية اللّه ومراقبته ، فأي حدث فيه لا يكون مذكرا له رؤية اللّه فإنه ذاكر غير غافل عنه . ( وقال الخوّاص ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد من اقران الجنيد : ( شكر العامة ) يكون ( على المطعم والملبس والمشرب ) ونحوها من النعم الظاهرة ، ( وشكر الخاصة ) يكون ( على واردات القلوب ) مما يرد عليها من المعاني التي يعرفها الأولياء تصرف الغفلات عن القلوب بالورع والزهد وغيرهما ، وهذا القول نسبه القشيري في الرسالة إلى أبي عثمان سعيد بن إسماعيل الجبري تلميذ أبي حفص الحداد ، ولفظه وقال أبو عثمان : شكر العامة على المطعم والملبس ، وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعاني . ( وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في البطن والفرج ومدركات الخواص ) الظاهرة ( من الألوان والأصوات وخلا عن لذة القلب ، فإن القلب لا يلتذ في حال الصحة إلا بذكر اللّه تعالى ومعرفته ولقائه ) وهي اللذة المعنوية ، ( وإنما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات ) وتمكنت منه ( كما يلتذ بعض الناس بأكل الطين ) وذلك لفساد مزاجه ، ( وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة ) ويستكرهها ( ويستحلي الأشياء المرة ) البشعة ( حتى قيل ) قائله المتنبي :( ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرا به الماء الزلالا )( فإذا هذا شرط الفرح بنعمة اللّه تعالى ، فإن لم تكن إبل فمعزى ) وهو جار مجرى الأمثال ، ( فإن لم يكن هذا فالدرجة الثانية ) بأن يفرح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة ، بل من حيث أنه يستدل بها على عناية المنعم به . ( أما ) الدرجة ( الأولى فخارجة عن كل حساب )
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 102 | مرتضى الزبيدي