شرح
تقولون من هذا من هذا ؟ هو عبد سقط من عين اللّه تعالى ، فابتلاه بما ترون ، فسمع علي بن عيسى ذلك فرجع إلى منزله واستعفي من الوزارة وذهب إلى مكة وجاور بها إلى هنا كلام القشيري وقد اختصرت في سياقه .
وقال صاحب العوارف : توبة الاستجابة لمثلثي هي ان تستحيي من اللّه لقربه منك إذا تحقق بها ربما تاب في صلاته من كل خاطر يلم به سوى اللّه ويستغفر اللّه منه ، وهي لازمة لبواطن أهل القرب كما قيل :
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
وقال : وسئل أبو يعقوب السوسي عن التوبة فقال : التوبة من كل شيء ذمه العلم إلى ما مدحه العلم . قال : وهذا وصف يعم الظاهر والباطن لم كوشف بصريح العلم لأنه لا بقاء للجهل مع العلم ، كما لا بقاء لليل مع طلوع الشمس ، وهذا يستوعب جميع أقسام التوبة بالوصف الخاص والعام ، وهذا العلم يكون علم الظاهر والباطن لتطهر الظاهر والباطن بأخس أوصاف التوبة وأعم أوصافها ا ه .
وقال صاحب القوت : قال أبو محمد سهل : ليس من الأشياء أوجب على الخلق من التوبة ، ولا عقوبة أشد عليهم من فقد علم التوبة ، وقد جهل الناس علم التوبة . وقال : من يقول إن التوبة ليس بفرض فهو كافر ، ومن رضي بقوله فهو كافر . وقال بعض علماء الشام : لا يكون المريد تائبا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال معصية عشرين سنة . وكان إبراهيم بن أدهم يقول : منذ أربعين سنة أشتهي أن أشتهي لأترك ما أشتهي فلا أجد ما أشتهي ، وإذا اتبع العبد الذنب بالذنب ولم يجعل بين الذنبين توبة خيف عليه الهلكة ، لأن هذا حال المصر ، ولأنه قد شرد عن مولاه بترك رجوعه إليه ودوام مقامه مع النفس على هواه ، وهذا مقام المقت والبعد ، فأفضل ما يعمله العبد قطع شهوات النفس أحلى ما يكون عنده الهوى ، إذ ليس لشهواتها آخر ينتظر كما ليس لبدايتها أوّل يرتسم ، فإن لم يقطع ذلك لم تكن له نهاية فإن شغل بما يستأنف من مزيد الطاعة ووجد حلاوة العبادة وإلّا آخذ نفسه بالتصبر والمجاهدة ؛ وهذه طريق الصادقين من المريدين ، ثم لا يتخذ التائب عادة من ذنب تتعذر عليه توبته ، فإن العادة جند من جنود اللّه تعالى لولاها لكان الناس كلهم تائبين ، ولولا الابتلاء لكان الناس كلهم مستقيمين ، وآخر شيء على التائب تمكينه خاطر السوء من قلبه بالاصغاء إليه ، فإنه سلب هلكته وكل سبب يدعو إلى معصية أو يذكر معصية فهو معصية ، وكل سبب يؤل إلى ذنب أو يؤدي إليه فهو ذنب ، وإن كان مباحا فقطعه طاعة ، وهذا من دقائق الأعمال وقد كان يقال : من أتى عليه أربعون وهو العمر وكان مقيما على ذنب لم يكد يتوب منه إلا القليل من المتداركين ، وقد اشترط تعالى على التائبين من المؤمنين شرطين وشرط على التائبين من المنافقين أربعة شروط لأنهم اعتلوا بالخلق في الأعمال فاشركوهم بالخالق في الإخلاص وضعف عليهم الشرط تشديد الشدة دخولهم في المقت واعتل غيرهم بوصفه فخفف عنهم شرطين فقال تعالى :