شرح
عمله ويأخذ في التحسر على ما ضيعه من أحواله وارتكبه من قبيح أعماله ، فتتم توبته وتصدق مجاهدته واستبدل بمخالطة العزلة وبصحبته مع إخوان السوء التوحش عنهم والخلوة ، ويصل ليله بنهاره في التلهف ، ويغتبق في عموم أحواله صدق التأسف ، ويمحو بصبوب عبرته آثار عثرته ، ويأسو لحبس توبته كلوم حوبته يعرف من بين أمثاله بذبوله ، ويستدل على صحة حاله بنحو له ولم يتم له شيء من هذا إلا بأربعة . فراغه من ارضاء خصومه والخروج عما لزمه من مظالمه ، فإن أقل منزلة في التوبة إرضاء الخصوم بما أمكنه فإن اتسع ذات يده لايصال حقوقهم إليهم أو سمحت نفوسهم بإحلاله والبراءة عنه ، وإلّا فالعزم بقلبه إلى أن يخرج عن حقوقهم عند الإمكان والرجوع إلى اللّه بصدق الابتهال والدعاء لهم ، وللتائبين صفات وأحوال هي من خصالهم يعد ذلك من جملة التوبة لكونها من صفاتهم لا لأنها من شروط صحتها ، وإلى ذلك تشير أقاويل الشيوخ في معنى التوبة ثم ساقها .
فمن ذلك قول أبي علي الدقاق : التوبة بداية والأوبة نهاية والإنابة واسطتهما ، فكل من تاب لخوف العقوبة فهو صاحب توبة ، ومن تاب طمعا في الثواب فهو صاحب إنابة ، ومن تاب مراعاة للأمر لا لرغبة في الثواب ولا لرهبة من العقاب فهو صاحب أوبة . ويقال أيضا : التوبة صفة المؤمنين ، والإنابة صفة المقربين ، والأوبة صفة الأنبياء والمرسلين .
وقال الجنيد : سمعت الحرث يقول : ما قلت قط اللهم إني أسألك التوبة ولكن أقول أسألك شهوة التوبة . وسئل ذو النون المصري عن التوبة فقال : توبة العوام من الذنوب ، وتوبة الخواص من الغفلة . وقال أبو الحسن النوري : التوبة أن تتوب من كل شيء سوى اللّه عز وجل . وقال عبد اللّه بن علي التميمي : شتان ما بين تائب يتوب من الزلات ، وتائب يتوب من الغفلات ، وتائب يتوب من رؤية الحسنات . وكان يحيى بن معاذ يقول : إلهي لا أقول تبت ، ولا أعود لما أعرف من خلفي ، ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفي ، ثم أني أقول لا أعود لعلي أموت قبل أن أعود . وسئل ابن يزدانيار عن العبد إذا خرج إلى اللّه عز وجل على أي أصل يخرج ؟ فقال : على أن لا يعود إلى ما منه خرج ، ولا يراعي غير من إليه خرج ويحفظ سره عن ملاحظة ما تبرأ منه ، فقيل له : هذا حكم من خرج عن وجود ، فكيف حكم من خرج عن عدم ؟ فقال : وجود الحلاوة في المستأنف عوضا عن المرارة في السالف . وقال ذو النون : حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت ، ثم لا يكون لك قرار ، ثم تضيق عليك نفسك . وقيل لأبي حفص : لم يبغض التائب الدنيا ؟
فقال : لأنها دار باشر فيها الذنوب ، فقيل له : فهي دار أيضا قد أكرمه اللّه فيها بالتوبة ؟ فقال :
إنه من الذنب على يقين ومن قبول التوبة على خطر . وقال رجل لرابعة : إني قد أكثرت من الذنوب والمعاصي فلو تبت هل يتوب عليّ ؟ فقالت : لا . لو تاب عليك لتبت . وقال يحيى بن معاذ : زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها . وقال أبو عمر الأنماطي : ركب علي بن عيسى الوزير في مركب عظيم ، فجعل الغرباء يقولون : من هذا من هذا ؟ فقالت امرأة ، قائمة على الطريق : إلى متى