تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 812

مساهمون:

ص٨١٢
شرح
يعتكف عليه أو عليها أو يطمئن بوجودها إليها أو إليه أو يطالب إياه هربا منها أو إياها ، فعليه من كل مشاهدة لسواه ذنب وعليه من كل سكون إلى سواه عتب كماله من كل شهادة علو ، ومن كل إظهار في الكون حكم ، فذنوبه وتوباته إلى اللّه تعالى لا تحصى انتهى . وروى صاحب نهج البلاغة أن عليا رضي اللّه عنه قال لرجل قال بحضرته : أستغفر اللّه ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار ؟ الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معان . أولها : الندم على ما مضى ، والثاني : العزم على ترك العود إليه أبدا ، والثالث : أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللّه عز وجل ليس عليك تبعة ، والرابع : أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها ، والخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السمت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد . والسادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول أستغفر اللّه ا ه . وقال صاحب القاموس في كتاب البصائر ، قال اللّه تعالىوَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ الحجرات : 11 ] قسم العباد إلى تائب وظالم ومأثم قسم ثالث البتة ، وأوقع الظلم على من لم يتب ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وبآفات أعماله . واعلم أن صاحب النظر إلى الوعد والوعيد يحدث له ذلك خوفا وخشية يحمله على التوبة . الثاني : أن ينظر إلى أمره ونهيه فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة والإقرار على نفسه بالذنب . والثالث : أن ينظر إلى تمكين اللّه تعالى إياه منها بتخليه بينه وبينها وتقديرها عليه ، وأنه لو شاء لعصمه منها فيحدث له ذلك أنواعا من المعرفة باللّه وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومغفرته وحلمه وكرمه ، وتوجب له هذه المعرفة عبودية فهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها ، ويعلم ارتباط الخلق والأمر والجزاء بالوعد والوعيد بأسمائه وصفاته ، وان ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود ، وأن كل اسم مفيض أثره ، وهذا المشهد يطلعه على رياض مونقة المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة ما يضيق عن التعبير نطاق الكلم ، والنظر الرابع نظره إلى الآمر له بالمعصية وهو شيطانه الموكل به فيفيد النظر إليه اتخاذه عدوا وكمال الاحتراز منه والتحفظ والتيقظ لما يريده منه عدوّه وهو لا يشعر به ، فإنه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات بعضها أصعب من بعض . عقبة الكفر باللّه ودينه ولقائه ، ثم عقبة البدعة إما باعتقاد خلاف الحق واما بالتعبد بما لم يأذن به اللّه من الرسوم المحدثة . قال بعض مشايخنا : تزوّجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة ، فولدت بينهما خسران الدنيا والآخرة . ثم عقبة الكبائر وتزيينها له ، وان كان الإيمان فيه الكفاية . ثم عقبة الصغائر بأنها مغفورة ما اجتنبت الكبائر فما زال يحببها إليه حتى يصر عليها ، ثم عقبة المباحات فيشغله بها عن الاستكثار من الطاعات وأقل ما يناله منه تفويت الأرباح العظيمة ، ثم عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة يزينها له ويشغله بها عما هو أفضل وأعظم ربحا ، ولكن أين أصحاب هذه العقبة ؟ فهم الأفراد في العالم والأكثرون قد ظفر بهم في العقبة الأولى ، فإن عجز عنه في هذه العقبات جاءه في عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى على حسب مرتبته في الخير . قال : وورود التوبة في القرآن على ثلاثة أوجه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 812 | مرتضى الزبيدي