تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 811

مساهمون:

ص٨١١
شرح
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا[ البقرة : 160 ] فقولهتابُواأي رجعوا إلى الحق من أهوائهموَأَصْلَحُوايعني ما أفسدوا بنفوسهموَبَيَّنُوافيه وجهان . أحدهما : بينوا ما كانوا يكتمون من الحق ويخفون من حقيقة العلم ، وهذا لمن عصى بكتم العلم وستر الحق بالباطل ، وقيل : بينوا توبتهم حتى تبين ذلك فيهم وظهرت أحكام التوبة فيهم . وقال تعالى في الشرطين الآخرينإِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ[ النساء : 145 ، 146 ] لأنهم كانوا يعتصمون بالناس وبالأموال وكانوا يراؤن بالأعمال ، فلذلك اشترط عليهم الاعتصام باللّه والاخلاص للّه . وقال بعض العارفين العامة يتوبون من سيئاتهم ، والصوفية يتوبون من حسناتهم يعني من تقصيرهم في أدائها لعظم ما يشهدون من حق الملك العزيز المقابل بها ، ومن نظرهم إليها وإلى نفوسهم بها وهي منة إليهم واصلة . قال : وإنما حرم بعض التائبين المزيد ولم يجدوا حلاوة التوبة لتهاونهم بحال الرعاية وتسامحهم بترك حسن القيام بشاهد المراقبة ، وذلك من قلة احكام أمر التوبة ولعدم القيام بحكم التوبة من الذنب الواحد ، وأحكموا حال ثواب الصادقين في التوبة لم يعدموا من اللّه المزيد لأنهم محسنون فهي في تجديد ، قال اللّه تعالىوَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ[ البقرة : 58 ] فإذا رأيتك مستقيما على التوبة عاملا بالصالحات ، ولم تجدك على مزيد من ميراث يوجد حلاوة أو حسن خليقة أو عزوف زهد أو خاصية معرفة ، فارجع إلى باب المراقبة أو موقف الرعاية فتفقدهما وأحكم حالهما فمن قبلهما أتيت . وقال بعض العلماء : من تاب من تسعة وتسعين ذنبا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن عندنا من التائبين . واعلم أن حقيقة التوبة من كل ذنب عشرة أعمال إلا أن يكون العبد توّابا يحبه اللّه ، ولا تكون توبته نصوحا التي شرطها اللّه تعالى وفسرتها النبوّة إلا أن يحكم العبد عشر توبات من كل ذنب . أولها ترك العود إلى فعل الذنب ، ثم يتوب من القول به ، ثم يتوب من الاجتماع مع سبب الذنب ، ثم التوبة من السعي في مثله ، ثم التوبة من النظر إليه ، ثم التوبة من الاستماع إلى القائلين به ، ثم التوبة من الهمة به ، ثم التوبة من التقصير في حق التوبة ، ثم التوبة من أن لا يكون أراد إلا وجه اللّه خالصا بجميع ما تركه لوجهه ، ثم التوبة في النظر إلى التوبة والسكون إليها والإدلال بها . وهذا مطالعة التوحيد وعلو الإشراق بالمريد ، ثم يشهد بعد ذلك تقصيره كله عن القيام بحق الربوبية لعظم ما يشهد من جلاله ، فتكون توبته بعد ذلك من تقصيره عن القيام بحقيقة مشاهدته ، ويكون استغفاره من توبته لما ضعف قلبه ونقص همه عن معاينة مشاهده لعلو مقامه ودوام مزيده واعلامه ، ولكل مقام توبة ، ولكل حال من مقامات التوبة توبة ، ولكل مشاهدة ومكاشفة توبة . فهذا حال التائب المنيب الذي هو من اللّه مقرب وعنده حبيب ، وهذا مقام مفتن تواب أي مختبر بالأشياء مبتلى بها توّاب إلى اللّه تعالى منها راجع إليه عنها ناظر إليه بها لينظر مولاه أو ينظر بقلبه إليه أو إليها ، أو