تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 808

مساهمون:

ص٨٠٨
شرح
المصنف رحمه اللّه تعالى في هذا الكتاب فما أغزر علمه وأدق نظره ، فنسأل اللّه تعالى أن يزيدنا علما ويرحمنا فيما نعلم بمنه وسعة جوده ، وبه تم شرح كتاب التوبة . ( خاتمة ) : في ذكر ما يتعلق من التنبيهات والاشارت في التوبة . قال أبو القاسم القشيري في الرسالة : إن للتوبة أسبابا وترتيبا وأقساما ، فأوّل ذلك انتباه القلب عن رقدة الغفلة ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة ويصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للإصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق سبحانه بسمع قلبه ، فإذا تمكن بقلبه سوء ما يصنعه وأبصر ما هو عليه من قبيح الافعال رسخ في قلبه إرادة التوبة والإقلاع عن قبيح المعاملة فيمده الحق سبحانه بتصحيح العزيمة والأخذ في جميع الرجوع والتأهب لأسباب التوبة ، فأوّل ذلك هجران إخوان السوء ، فإنهم هم الذين يحملون على رد هذا القصد ويشوّشون عليه صحة هذا العزم ، ولا يتم ذلك إلا بالمواظبة على المشاهدة التي تزيد رغبته في التوبة وتوفر دواعيه على إتمام ما عزم عليه مما يقوى خوفه ورجاءه ، فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الفعال ، فيقف عن تعاطي المحظورات ويكج لجام نفسه عن متابعة الشهوات ، فيفارق الزلة في الحال ويبرم العزيمة على أن لا يعود إلى مثلها في الاستقبال ، فإن مضى على موجب قصده ونفذ بمقتضى عزمه ، فهذا الموفق صدقا وإن نقض التوبة مرة أو مرات وتحمله إرادته على تجديدها ، وقد يكون مثل هذا كثيرا فلا ينبغي قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء ، فإن لكل أجل كتابا . حكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال : اختلفت إلى مجلس قاص فأثرّ كلامه في قلبي فلما قمت لم يبق في قلبي شيء ، فعدت ثانيا فسمعت كلامه فبقي في قلبي كلامه في الطريق ، ثم زال عن قلبي ، فعدت ثالثا فبقى أثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي فكسرت آلات المخالفات ولازمت الطريق ، فحكى هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال : عصفور اصطاد كركيا أراد بالعصفور ذلك القاص وبالكركي أبا سليمان الداراني . ويحكي عن أبي حفص الحداد أنه قال : تركت العمل كذا وكذا مرة فعدت إليه ثم تركني العمل فلم أعد بعد إليه ، وقيل : ان أبا عمرو بن نجيد في ابتداء أمره اختلف إلى مجلس أبي عثمان فأثر في قلبه كلامه فتاب ، ثم أنه وقعت له فترة فكان يهرب من أبي عثمان إذا رآه ويتأخر عن مجلسه فأستقبله أبو عثمان يوما فعدا أبو عمر وعن طريقه وسلك طريقا آخر ، فتبعه أبو عثمان فما زال به يقفو أثره حتى لحقه ، ثم قال له : يا بني لا تصحب من لا يحبك إلا معصوما إنما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه الحالة . قال : فتاب أبو عمرو وعاد إلى الإرادة وتعبد . سمعت الشيخ أبا علي الدقاق يقول تاب بعض المريدين ثم وقعت له فترة فكان يفكر وقتا لو عاد إلى التوبة كيف كان حكمه ؟ فهتف به هاتف يا فلان أطعتنا فشكرناك ثم تركتنا فأمهلناك ، فإن عدت إلينا قبلناك فعاد الفتى إلى الإرادة وتعبد ، فإذا ترك المعاصي وحلّ عن قلبه عقدة الإصرار وعزم على أن لا يعود إلى مثله ، فعند ذلك يخلص إلى قلبه صادق الندم فيتأسف على ما