اللّه تعالى واستراحة بمعرفته وطاعته وطول الانس به ؟ ولو لم يكن للمطيع جزء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة وروح الانس بمناجاة اللّه تعالى لكان ذلك كافيا ، فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة ؟ نعم هذه اللذة لا تكون في ابتداء التوبة ولكنها بعد ما يصبر عليها مدة مديدة وقد صار الخير ديدنا كما كان الشر ديدنا ، فالنفس قابلة - ما عودتها تتعوّد - والخير عادة والشر لجاجة .
فإذا هذه الأفكار هي المهيجة للخوف المهيج لقوّة الصبر عن اللذات ومهيج هذه الأفكار وعظ الوعاظ وتنبيهات تقع للقلب بأسباب تتفق لا تدخل في الحصر ، فيصير الفكر موافقا للطبع فيميل القلب إليه . ويعبر عن السبب الذي أوقع الموافقة بين الطبع والفكر الذي هو سبب الخير بالتوفيق ، إذ التوفيق هو التأليف بين الإرادة وبين المعنى الذي هو طاعة نافعة في الآخرة . وقد روي في حديث طويل أنه قام عمار بن ياسر فقال
شرح
على الطاعة تلذذ بمناجاة اللّه تعالى واستراحة بمعرفته وطاعته وطول الأنس به ، ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة وروح الأنس بمناجاة اللّه تعالى لكان ذلك كافيا ) ولم يحتج فيه إلى ضميمة ، ( فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة ؟ نعم هذه اللذة لا تكون في ابتداء التوبة ، ولكنها بعد ما يصبر عليها مدة مديدة فقد صار الخير ديدنا ) أي عادة وطبعا ، ( كما كان الشر ) قبل ذلك ( ديدنا ) وطبعا ، ( فالنفس قابلة لما عوّدتها ) راغبة ما رغبتها ، ( فتعوّد الخير عادة والشر لجاجة ) والعادة من العود إلى الشيء مرة بعد أخرى وأكثر ما تستعمل في المراجعة في الشيء المضر بشؤم الطبع من غير تدبر عاقبته ويسمى فاعله لجوجا . وروى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود موقوفا الخير عادة وروى ابن ماجة والطبراني في الكبير ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي ، والقضاعي ، وابن عساكر من طريق يونس بن ميسرة بن حليس عن معاوية بن أبي سفيان رفعه : « الخير عادة والشر لجاجة » زاد بعضهم فيه : « ومن يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين » .
( فإذا هذه الأفكار هي المهيجة ) أي الباعثة ( للخوف المهيج لقوّة الصبر عن اللذات ) والشهوات ، ( ويهيج هذه الأفكار وعظ الواعظ وتنبيهات تقع للقلب ) على سبيل ورود الواردات ( بأسباب تتفق ) في بعض الأحوال والأحيان ( لا تدخل في الحصر ) ولا في الضبط ، ( فيصير الفكر موافقا للطبع فيميل القلب إليه ) ومعنى موافقته للطبع الرجوع إلى الخير والامتناع عن الشر ، فيكون الفكر بمنزلة الحاكم والطبع محكوما عليه ، ( ويعبر عن السبب الذي أوقع الموافقة بين الطبع والفكر الذي هو سبب الخير بالتوفيق إذ التوفيق هو التأليف بين الإرادة وبين المعنى الذي هو طاعة نافعة في الآخرة ) ويقرب منه قول بعضهم هو جعل اللّه فعل عبده موافقا لما يحبه ويرضاه ، وقول بعضهم : هو الهداية إلى وفق