تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 805

مساهمون:

ص٨٠٥
أحدهما : أن الفكر النافع هو الفكر في عقاب الآخرة وأهوالها وشدائدها وحسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم ، وهذا فكر لداغ مؤلم للقلب فينفر القلب عنه ويتلذذ بالفكر في أمور الدنيا على سبيل التفرج والاستراحة . والثاني : أن الفكر شغل في الحال مانع من لذائذ الدنيا وقضاء الشهوات ، وما من إنسان إلا وله في كل حالة من أحواله ونفس من أنفاسه شهوة قد تسلطت عليه واسترقته فصار عقله مسخرا لشهوته فهو مشغول بتدبير حيلته ، وصارت لذته في طلب الحيلة فيه أو في مباشرة قضاء الشهوة والفكر يمنعه من ذلك . وأما علاج هذين المانعين فهو أن يقول لقلبه : ما أشد غباوتك في الاحتراز من الفكر في الموت وما بعده تألما بذكره مع استحقار ألم مواقعته ، فكيف تصبر على مقاساته إذا وقع وأنت عاجز عن الصبر على تقدير الموت وما بعده ومتألم به ؟ وأما الثاني : وهو كون الفكر مفوّتا للذات الدنيا ، فهو أن يتحقق فوات لذات الآخرة أشد وأعظم فإنها لا آخر لها ولا كدورة فيها ، ولذات الدنيا سريعة الدثور وهي مشوبة بالمكدرات فما فيها لذة صافية عن كدر ، وكيف وفي التوبة عن المعاصي والاقبال على الطاعة تلذذ بمناجاة
شرح
( أحدهما : أن الفكر النافع هو الفكر في عقاب الآخرة وأهوالها وشدائدها وحسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم ، وهذا فكر لداغ مؤلم للقلب ) كأنه يلدغه ( فينفر القلب عنه ويتلذذ بالفكر في أمور الدنيا على سبيل التفرج ) والانبساط ( والاستراحة ) . ( والثاني : أن الفكر شغل في الحال مانع من لذائذ الدنيا وقضاء الشهوات ، وما من إنسان إلا وله في كل حالة من أحواله ونفس من أنفاسه شهوة قد تسلطت عليه واسترقته ) أي أسرته ، ( فصار عقله مسخرا لشهوته ) أي منقادا لها ( فهو مشغول بتدبير حبلته ، وصارت لذته في طلب الحيلة فيه أو في مباشرة قضاء الشهوة والفكر يمنعه من ذلك ) فهذا سبب استثقال القلوب الفكر . ( وأما علاج هذين المانعين ؛ فهو أن يقول لقلبه ما أشد غباوتك في الاحتراز من الفكر في الموت وما بعده تألما بذكره مع استحقار ألم مواقعته ، فكيف تصبر على مقاساته إذا وقع وأنت عاجز عن الصبر على تقدير الموت وما بعده ومتألم به ؟ وأما الثاني وهو كون الفكر مفوّتا للذات الدنيا فهو أن يتحقق أن لذة الآخرة أشد وأعظم ، فإنها لا آخر لها ولا كدورة فيها ولذات الدنيا سريعة الدثور ) أي الذهاب والإنطماس ، ( وهي ) مع ذلك ( مشوبة بالمكدرات فما فيها لذة صافية عن كدر ، وكيف وفي التوبة عن المعاصي والإقبال