دار عقوبة ولها يجمع من لا عقل له ، وبها يغتر من لا علم عنده ، فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء لما يخاف من عاقبة الداء . وكتب عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه إلى عدي بن أرطأة أما بعد ؛ فإن الدنيا عدوّة أولياء اللّه وعدوّة أعداء اللّه ، فأما أولياؤه فغمتهم ، وأما أعداؤه فغرتهم . وكتب أيضا إلى بعض عماله أما بعد ؛ فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة اللّه عليك ، واعلم أنك لا تأتي إلى الناس شيئا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك ، واعلم أن اللّه عز وجل آخذ للمظلومين من الظالمين والسلام .
شرح
العزيز رحمه اللّه أما بعد ؛ فإن الدنيا دار عقوبة ولها يجمع من لا عقل له ، وبها يغتر من لا علم عنده . فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء لما يخاف من عاقبة الداء ) . روى أحمد والبيهقي من طريق زويد عن أبي إسحاق عن عروة عن عائشة مرفوعا :
« الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له » . ورجال أحمد رجال الصحيح غير زويد وهو ثقة . ورواه أحمد أيضا ، والشيرازي في الألقاب ، والبيهقي عن ابن منصور موقوفا .
( وكتب عمر بن عبد العزيز ) رحمه اللّه تعالى ( إلى عدي بن أرطأة ) الفزاري كان عاملا لعمر بن عبد العزيز على البصرة ، ونقل سنة اثنين ومائة ، روى له البخاري في كتاب الأدب المفرد ( أما بعد ؛ فإن الدنيا عدوّة أولياء اللّه وعدوّة أعداء اللّه . أما أولياؤه فغمتهم ، وأما أعداء اللّه فغرتهم ) أخرجه أبو نعيم في الحلية وفيه : فإن الدنيا عدوّة اللّه وعدوّة أولياء اللّه الخ . وقد تقدمت الإشارة إليه في شرح خطبة كتاب ذم الدنيا .
( وكتب ) عمر بن عبد العزيز ( أيضا إلى بعض عماله أما بعد ، فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة اللّه عليك . واعلم أنك لا تأتي إلى الناس شيئا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك ، وأعلم إن اللّه عز وجل آخذ للمظلومين من الظالمين والسلام ) . أخرجه أبو نعيم في الحلية ، ومن كتابه إلى بعض عماله أما بعد ، فاتق اللّه فيمن وليت أمره ، ولا تأمن مكره في تأخير عقوبته ، فإنه إنما يعجل بالعقوبة من يخاف الفوت والسلام .
ومن كتابه إلى رجل أما بعد ؛ فإني أوصيك بتقوى اللّه والانتشار لما استطعت من مالك وما رزقك اللّه إلى دار قرارك ، فإنك واللّه لكأنك ذقت الموت وعاينت ما بعده بتصرف الليل والنهار فإنهما سريعان في طي الأجل ونقض العمر مستعدان بمن بقي بمثل الذي أصابه من قد مضى ، فنستغفر اللّه لسيء أعمالنا ونعوذ به من مقته إيانا على ما نلفظ به مما يقصر عنه قوانا .
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز : أوصني . قال : أوصيك بتقوى اللّه وإيثاره تخف عليك المؤنة فيحسن لك من اللّه المعونة ، وكتب أيضا إلى رجل : أوصيك بتقوى اللّه الذي لا يقبل غيرها ولا