تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 796

مساهمون:

ص٧٩٦
الأطعمة وعلاجه الجوع والصوم الدائم . وكل ذلك لا يتم إلا بصبر ولا يصبر إلا عن خوف ولا يخاف إلا عن علم ولا يعلم إلا عن بصيرة وافتكار أو عن سماع وتقليد ، فأول الأمر حضور مجالس الذكر ثم الاستماع من قلب مجرد عن سائر الشواغل مصروف إلى السماع ثم التفكر فيه لتمام الفهم ، وينبعث من تمامه لا محالة خوفه ، وإذا قوي الخوف تيسر بمعونته الصبر وانبعثت الدواعي لطلب العلاج ، وتوفيق اللّه وتيسيره من وراء ذلك فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء واستشعر الخوف فاتقى وانتظر الثواب وصدق بالحسنى فسييسره اللّه تعالى لليسرى ، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسييسره اللّه للعسرى ، فلا يغني عنه ما اشتغل به من ملاذ الدنيا مهما هلك وتردى . وما على الأنبياء إلا شرح طرق الهدى وإنما للّه الآخرة والأولى . فإن قلت : فقد رجع الأمر كله إلى الإيمان لأن ترك الذنب لا يمكن إلا بالصبر
شرح
الخلق ( و ) مهيجها ( من داخل لذائذ الأطعمة وعلاجه الجوع ) في أكثر الأوقات ( والصوم الدائم ، وكل ذلك لا يتم إلا بصبر ولا يصبر إلا عن خوف ولا يخاف إلا عن علم ولا يعلم إلا عن بصيرة وافتكار أو عن سماع ) من أفواه الشيوخ ( وتقليد ) لهم ، ( فأول الأمر حضور مجالس الذكر ، ثم الاستماع من قلب مجرد عن سائر الشواغل مصروف إلى السماع ، ثم التفكر فيه لتمام الفهم وينبعث من تمامه لا محالة خوفه ، وإذا قوي الخوف ) وتمكن منه ( تيسر بمعونته الصبر وانبعثت الدواعي لطلب العلاج ) للداخل والخارج ( وتوفيق اللّه وتيسيره من وراء ذلك ) فلا يقدر له قدر فالمساعي أشتات مختلفة ، ( فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء ) لأمور الطاعات ( واستشعر الخوف فاتقى ) المعاصي ( وانتظر الثواب وصدق بالحسنى ) أي بالكلمات الحسنى ، ( وهي ما دل على حق ) ككلمة التوحيد ( فسييسره اللّه تعالى ) أي سيهديه ( لليسرى ) أي للخلة المؤدية إلى اليسر والزلف كدخول الجنة ، ( وأما من بخل ) بما أمر به ( واستغنى ) بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى ( وكذب بالحسنى ) بإنكار مدلولها ( فسييسره اللّه للعسرى ) أي للخلة المؤدية إلى العسر والشدة بدخول النار ، ( فلا يغني عنه ما اشتغل به من ملاذ الدنيا مهما هلك ) أي مات ( وتردى ) حفرة القبر أو قعر جهنم ، ( وما على الأنبياء إلا شرح طرق الهدى ) أي الإرشاد إلى الحق بشرح صفائه أو بمقتضى حكمته ، ( وإنما للّه الآخرة ، والأولى ) فيعطي في الدارين الذي يشاء أو ثواب الهداية للمهتدين ، وفي السياق تلميح لقوله تعالى :إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى * وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى * وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى[ الليل : 4 - 13 ] . . ( فإن قلت : فقد رجع الأمر كله إلى الإيمان لأن ترك الذنب لا يمكن إلا بالصبر عنه )