تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 794

مساهمون:

ص٧٩٤
فهكذا ينبغي أن يكون وعظ العامة ووعظ من لا يدري خصوص واقعته ، فهذه المواعظ مثل الأغذية التي يشترك الكافة في الانتفاع بها ، ولأجل فقد مثل هؤلاء الوعاظ انحسم باب الاتعاظ وغلبت المعاصي واستسرى الفساد ، وبلي الخلق بوعاظ يزخرفون اسجاعا وينشدون أبياتا ويتكلفون ذكر ما ليس في سعة علمهم ويتشبهون بحال غيرهم ، فسقط عن قلوب العامة وقارهم ولم يكن كلامهم صادرا من القلب ليصل إلى القلب ، بل القائل متصلف والمستمع متكلف وكل واحد منهما مدبر ومتخلف .
شرح
يرحم إلا أهلها ولا يثيب إلا عليها ، فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل وكتب إلى بعض عماله أما بعد : فكان العباد قد عادوا إلى اللّه ثم ينبئهم بما عملوا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذي أحسنوا بالحسنى فإنه لا معقب لحكمه ولا منازع في أمره ولا تقاطع في حقه الذي استحفظ عباده وأوصاهم به ، وإني أوصيك بتقوى اللّه وأحثك على الشكر فيما اصطنع عندك من نعمه وآتاك من كرامته ، فإن نعمه يمدها شكره ويقطعها كفره ، وأكثر ذكر الموت الذي لا تدري متى يغشاك فلا مناص ولا فوت ، وأكثر ذكر يوم القيامة وشدته فإن ذلك يدعوك إلى الزيادة فيما زهدت فيه والرغبة فيما رغبت فيه ، وكن مما أوتيت من الدنيا على وجل فإن من لا يحذر ذلك ولا يخوفه يوشك الصرعة أن تدركه في الغفلة ، وأكثر النظر في عملك في دنياك بالذي أمرت به ثم اقتصر عليه ، فإن فيه لعمري شغلا عن دنياك ولا تدرك العمل حتى تؤثره على الجهل ، ولا الحق حتى تذر الباطل . فنسأل اللّه لنا ولك حسن معونته . وكتب إلى بعض عماله أما بعد : فالزم الحق ينزلك الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضى بين الناس إلا بالحق وهم لا يظلمون . وقال لرجل أوصيك بتقوى اللّه فإنها ذخيرة الفائزين وحرز المؤمنين ، وإياك والدنيا أن تفتنك فإنها قد فعلت ذلك بمن كان قبلك فإنها تغر المطمئنين إليها وتفجع الواثق بهات وتثلم الحريض عليها ولا تبقى لمن استبقاها ولا يدفع المتلف عنها من حواها لمناها مناظر بهجة ما قدمت منها أمامك لم يسبقك وما أخرت منها خلفك لم يلحقك . ( فهكذا ينبغي أن يكون وعظ العامة ووعظ من لا يدري خصوص واقعته ، فهذه المواعظ مثل الأغذية التي تشترك الكافة في الانتفاع بها ولأجل فقد مثل هؤلاء الوعاظ انحسم باب الإتعاظ ) أي انسد ( وغلبت المعاصي واستسرى الفساد وبلى الخلق بوعاظ يزخرفون أسجاعا ) أي يزينون كلمات موزونة يتكلفون فيها ( وينشدون أبياتا بمناسبة ما يوردوه ، ويتكلفون ذكر ما ليس في سعة علمهم وينشبون بحال غيرهم فسقط عن قلوب العامة وقارهم ) وهيبتهم ، ( ولم يكن كلامهم صادرا من القلب ليصل إلى القلب ) فقد روي عن عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى أنه قال : الكلام الذي يصدر عن القلب يقع على القلب ، ( بل القائل متصلف ) أي متكبر ، ( والمستمع متكلف وكل واحد منهما مدبر ومتخلف ) عن حلبة