والقسم الثاني : هو الذي لا يخلو عن مقارفة الذنوب ، ثم هم ينقسمون إلى مصرين وإلى تائبين ، وغرضنا أن نبين العلاج في حل عقدة الإصرار ونذكر الدواء فيه . فاعلم أن شفاء التوبة لا يحصل إلا بالدواء ولا يقف على الدواء من لا يقف على الداء ، إذ لا معنى للدواء إلّا مناقضة أسباب الداء فكل داء حصل من سبب فدواؤه حل ذلك السبب ورفعه وإبطاله ، ولا يبطل الشيء إلا بضده ، ولا سبب للاصرار إلا الغفلة والشهوة ، ولا يضاد الغفلة إلا العلم ، ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة .
والغفلة رأس الخطايا . قال تعالى :
وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ النحل : 108 ، 109 ] فلا دواء إذا للتوبة إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر ، وكما يجمع السكنجبين بين حلاوة السكر وحموضة الخل ويقصد بكل منهما غرض آخر في العلاج بمجموعهما فيقمع الأسباب المهيجة للصفراء ، فهكذا ينبغي أن تفهم علاج القلب مما به من مرض الإصرار ، فإذا لهذا الدواء أصلان : أحدهما : العلم ، والآخر الصبر . ولا بدّ من بيانهما .
شرح
( والقسم الثاني : هو الذي لا يخلو عن مقارفة الذنوب ) وملابستها ، ( ثم هم ينقسمون إلى مصرين ) عليها ، ( وإلى تائبين ) عنها . ( وغرضنا الآن أن نبين العلاج في حل عقدة الإصرار ، ونذكر الدواء فيه فاعلم إن شفاء التوبة لا يحصل إلا بالدواء ولا يقف على الدواء من لا يقف على أصل الداء ) وحقيقته ومن أين مبدؤه ( إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء ) ومضارتها ، ( فكل داء حصل من سبب فدواؤه حل ذلك السبب ) وفي نسخة لأجل ذلك السبب ( ورفعه ) وفي نسخة ودفعه ( وإبطاله ، ولا يبطل الشيء إلا بضده ومناقضه ، ولا سبب للإصرار إلا الشهوة والغفلة ، ولا يضاد الغفلة إلا العلم والشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة ) وهي أسباب كثيرة تقدم ذكرها في كتاب كسر الشهوتين ، ( والغفلة رأس الخطايا ) وأمها فإن منها تنشأ ( قال اللّه تعالى :أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ )دل ذلك على أن خسرانهم في أرباح معاملات الآخرة إنما سببها الغفلة ، فقد جعل اللّه أهل الغفلة في الدنيا هم أهل الخسران في العقبي ، ( فلا دواء للتوبة إذن إلا معجون ) مركب ( يعجن ) من جزأي ( حلاوة العلم ومرارة الصبر كما يجمع في السكنجبين بين حلاوة السكر ) أو العسل ( وحموضة الخل ) مع تباين مزاجيهما ، ( ويقصد بكل واحد منهما ) أي من السكر والخل ( وغرض آخر في العلاج بمجموعهما ، فيقمع الأسباب المهيجة للصفراء ، فهكذا ينبغي أن يفهم علاج القلب مما به من مرض الإصرار ، فإذا لهذا الدواء أصلان ) بهما يتم تركيبه . ( أحدهما العلم ) وهو الجزء الأكبر ، ( والآخر الصبر ولا بد من بيانهما ) ليتضح به المقصود .