شرح
محلها لا يغشاها نور العلم والمعرفة فهي على ظلمتها أمارة بالسوء ، وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب عجائب القلب ، ولنتكلم على الآية المذكورة .
قال البيضاوي : ظالم لنفسه أي بالتقصير في العمل به ، وقوله : مقتصد أي يعمل به في أغلب الأوقات ، والسابق هو الذي يضم التعليم والإرشاد إلى العمل ، ومثل الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم ، وقيل : الظالم المجرم ، والمقتصد الذي خلط الصالح بالسيء ، والسابق الذي ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة ، وهو معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب ، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون في طول المحشر ثم يتلقاهم اللّه برحمته » وقيل : الظالم الكافر على أن الضمير للعباد وتقديمه لكثرة الظالمين ، ولأن الظلم بمعنى الجهل والركون إلى الهوى مقتضى الجبلة والإقتصاد والسبق عارضان انتهى .
قلت : وهذه الأقوال كلها مسندة ، والحديث المذكور رواه الفريابي ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقي عن أبي الدرداء سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « قال اللّه تعالى :ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِناالآية . فإما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب ، واما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا ، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم يلقاهم اللّه تعالى برحمته ، فهم الذين يقولون :الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَإلىلُغُوبٌ[ فاطر : 34 ، 35 ] قال البيهقي : إذا كثرت الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلا .
وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله :ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَالآية قال : هم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ورثهم كل كتاب أنزل ، فظالمهم مغفور له ، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب .
وأخرج الطيالسي ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، والترمذي وحسنه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في هذه الآية قال :
« هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة كلهم في الجنة » .
وأخرج الطيالسي ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، والطبراني في الأوسط ، والحاكم ، وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قال : قلت لعائشة أرأيت قول اللّه تعالى :ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَالأية قالت : أما السابق فقد مضى في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فشهد له بالجنة ، وأما المقتصد فمن اتبع أمرهم فعمل بمثل أعمالهم حتى يلحق بهم ، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا وكل في الجنة .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وقال : هذه الأمة ثلاثة أثلاث : ثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ، وثلث يحبسون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا باللّه فيقول الرب : ادخلوا هؤلاء في سعة رحمتي ، ثم قرأ هذه الآية .