تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 745

مساهمون:

ص٧٤٥
حسنة إذ يقول : إن اللّه كريم وجنته ليست تضيق على مثلي ومعصيتي ليست تضره ثم تراه يركب البحار ويقتحم الأوعار في طلب الدينار ، وإذ قيل له : إن اللّه كريم ودنانير خزائنه ليست تقصر عن فقرك وكسلك بترك التجارة ليس يضرك فاجلس في بيتك فعساه يرزقك من حيث لا تحتسب فيستحمق قائل هذا الكلام ويستهزئ به ويقول : ما هذا الهوس ؟ السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وإنما ينال ذلك بالكسب ، هكذا قدره مسبب الأسباب وأجرى به سنته ولا تبديل لسنة اللّه ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد وأن سنته لا تبديل لها فيهما جميعا ، وأنه قد أخبر إذ قال :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ] فكيف يعتقد أنه كريم في الآخرة وليس بكريم في الدنيا ؟ وكيف يقول ليس مقتضى الكرم الفتور عن كسب المال ومقتضاه الفتور عن العمل للملك المقيم والنعيم الدائم ، وأن ذلك بحكم الكرم يعطيه من غير جهد في الآخرة ، وهذا يمنعه مع شدة الاجتهاد في غالب الأمر في الدنيا ؟ وينسى قوله تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ الذاريات : 22 ] فنعوذ باللّه من العمى والضلال فما هذا إلا انتكاس على أم الرأس وانغماس في ظلمات الجهل وصاحب هذا جدير بأن يكون داخلا
شرح
كالقيمة وصيغة القول كذا أي : مثاله وصورته على التشبيه بالعمل والتقدير . ( إذ يقول : إن اللّه ) تعالى ( كريم ) أي موصوف بالكرم ( وجنته ليست تضيق على مثلي ومعصيتي ليست تضره ) وإنما شؤمها عليّ ، ( ثم تراه يركب البحار ويقتحم الأوعار ) أي الأمور الصعبة ( في طلب الدينار ، وإذا قيل له : إن اللّه كريم ودنانير خزائنه ليست تقصر عن فقرك وكسلك بترك التجارة ليس يضرك فاجلس في بيتك ) واسترح ، ( فعساه ) أن ( يرزقك من حيث لا تحتسب ، فيستحمق قائل هذا الكلام ) أي يعده حمقا ( ويستهزئ به ويقول : ما هذا الهوس ) أي خفة العقل ؟ ( السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وإنما ينال ذلك بالكسب ) والسعي في الأسباب ( هكذا قدره رب الأرباب ) وفي نسخة مسبب الأسباب ( وأجرى به ) في العالم ( سنته ولا تبديل لسنة اللّه ) بنص القرآن ، ( ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد ، وأن سنته لا تبديل لها فيهما جميعا ، وأنه ) تعالى ( قد أخبر ) على لسان رسله ( إذ قال :وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى( فكيف يعتقد أنه تعالى كريم في الآخرة وليس بكريم في الدنيا ، وكيف يقول : ليس مقتضى الكرم الفتور عن كسب الحلال ومقتضاه الفتور عن العمل للملك المقيم والنعيم الدائم ، وأن ذلك بحكم الكرم يعطيه من غير جهد ) ولا مشقة ( في الآخرة ، وهذا يمنعه مع شدة الإجتهاد في غالب الأمر في الدنيا وينسى قوله تعالى :وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَفنعوذ باللّه من العمى ) أي عمى البصيرة ( والضلال ، فما هذا إلا انتكاس على أم الرأس وانغماس في ظلمات الجهل ، وصاحب
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 745 | مرتضى الزبيدي