تقصر عن أن يقول : ارم هذه التمرة فإنها حرام ولكنه لما علم أنه لا يفهم منطقه ترك الفصاحة ونزل إلى لكنته ، بل الذي يعلم شاة أو طائرا يصوت به رغاء أو صفيرا تشبها بالبهيمة والطائر تلطفا في تعليمه . فإياك أن تغفل عن أمثال هذه الدقائق فإنها مزلة أقدام العارفين فضلا عن الغافلين . نسأل اللّه حسن التوفيق بلطفه وكرمه .
شرح
منوّن كلمة ردع الطفل في تناول شيء ، وهذا قاله ( لما أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فيه ) فزجره به ، ( وما كانت فصاحته ) صلّى اللّه عليه وسلم ( تقصر عن أن يقول له : ارم هذه التمرة فإنها حرام ، ولكنه لما علم أنه لا يفهم منطقة ترك الفصاحة ونزل إلى لكنته ) ، وكان المراد بذلك ما كانت فصاحته تقصر عن الاكتفاء بكلامه الفصيح الظاهر ، وهذا كان تمام الحديث في المتفق عليه عن أبي هريرة « ارم بها أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة » وقد تقدم في كتاب الحلال والحرام ، فقد جمع صلّى اللّه عليه وسلم بين اللكنة والفصاحة ، ( بل الذي يعلّم شاة أو طائرا يصوّت به رغاء وصفيرا تشبيها بالبهيمة والطائر تلطفا في تعليمه ) . وروى ابن عساكر من حديث معاوية وقال : غريب جدا « من كان له صبي فليتصاب له » . وإذا عرفت ذلك فاعلم أن قولهم شيئان عجيبان هما أبرد من بخ شيخ يتصابى وصبي بتشيخ ليس على إطلاقه . ( فإياك أن تغفل عن أمثال هذه الدقائق فإنها مزلة أقدام العارفين فضلا عن الغافلين ) .
وأما كلام رويم ، لما سأل عن حقيقة التوبة وقد سبق ذكره نقلا عن القشيري وسبق الوعد بأنا نتكلم عليه ، فاعلم أن المقصود من التوبة تقوى اللّه وهو خوفه وخشيته والقيام بأمره واجتناب نهيه ، فيعمل بطاعته على نور من اللّه لا يريد بذلك غير الطاعة ، فإن الطاعة والتوبة عز ظاهرا وباطنا ، فلا يكون مقصوده العزة فمن تاب لأجله فتوبته مدخولة وسائر التوبة ثلاثة أشياء هذا أحدها ، والثاني نسيان الجناية ، والثالث التوبة من رؤية اليوم فإن رأى منة الإيمان والإسلام من نفسه وغفل عن منة اللّه عليه ، فليتب من هذه الرؤية ولكن هذه الرؤية ليست التوبة ولا حيزها ولا شرطها ، بل جناية أخرى حصلت له بعد التوبة فيتوب من هذه الجناية كما تاب من الجناية الأولى ، فما تاب إلا من ذنب أوّلا وآخرا ، أو المراد التوبة عن نقصان اليوم وعدم توفية حقه ، ووجه ثالث لطيف وهو أنه من حصل مقام الأنس باللّه وصفاء وقته مع اللّه بحيث يكون إقباله على اللّه واشتغاله بذكر آلائه وأسمائه وصفاته أنفع شيء له حتى إذا نزل عن هذه الحال اشتغل بالتوبة من جناية سالفة قد تاب منها وسار مع الجناية واشتغل بها عن اللّه تعالى ، فهذا نقص ينبغي أن يتوب إلى اللّه منه وهو توبة من هذه التوبة لأنه يزول من الصفاء إلى الجفاء ، وهذا هو الذي لاحظه الجنيد حين خاطب شيخه السري ، فالتوبة من التوبة إنما تعقل عن أحد هذه الوجوه الثلاثة ، واللّه أعلم .