قياسك نفسك على الأنبياء قياس في غاية الاعوجاج لأنهم قد ينزلون في أقوالهم وأفعالهم إلى الدرجات اللائقة بأممهم ، فإنهم ما بعثوا إلا لإرشادهم فعليهم التلبس بما تنتفع أممهم بمشاهدته وإن كان ذلك نازلا عن ذروة مقامهم ، فلقد كان في الشيوخ من لا يشير على مريده بنوع رياضة إلا ويخوض معه فيها وقد كان مستغنيا عنها لفراغه عن المجاهدة وتأديب النفس تسهيلا للأمر على المريد ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أما أني لا أنسى ولكني أنسى لأشرع » وفي لفظ : « إنما أسهو لأسنّ » ولا تعجب من هذا فإن الأمم في كنف شفقة الأنبياء كالصبيان في كنف شفقة الآباء ، وكالمواشي في كنف الرعاة : أما ترى الأب إذا أراد أن يستنطق ولده الصبي كيف ينزل إلى درجة نطق الصبي كما قال صلّى اللّه عليه وسلم للحسن : « كخ كخ » لما أخذ تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فيه ؟ وما كانت فصاحته
شرح
( ولا يصدنك عن التصديق بهذا التحقيق ما يحكى لك من بكاء داود ) عليه السلام ( ونياحته ) على ذنبه ، ( فإن قياسك نفسك على الأنبياء ) عليهم السلام ( قياس في غاية الاعوجاج لأنهم قد ينزلون في أقوالهم وأفعالهم إلى الدرجات اللائقة بأممهم فإنهم ما بعثوا إلا لإرشادهم ) وهدايتهم ( فعليهم التلبس بما تنتفع أمتهم بمشاهدته وإن كان ذلك نازلا عن ذروة مقامهم ) ولفظ القوت : وقد يعترض المريد بقصة داود عليه السلام من تذكره ونوحه على خطيئته ، فإن الأنبياء لا يقاس عليهم لمجاوزتهم حدود من دونهم ، وقد يقلبون في أحوال المريدين ويسلك بهم سبل المتعلمين وذلك لأجل الأمة ليكون طريقا للأئمة ا ه .
( فلقد كان في الشيوخ من لا يشير على مريده بنوع رياضة إلا ويخوض معه فيها ، وقد كان مستغنيا عنها لفراغه عن المجاهدة وتأديب النفس ) ورياضتها ، ( ولكن تسهيلا للأمر على المريد ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أما أني لا أنسى ولكن أنسى لأشرع » ) قال العراقي : ذكره مالك في الموطأ بلاغا بغير اسناد ، وقال ابن عبد البر : لا يوجد إلا في الموطأ مرسلا للاسناد له ، وكذا قال حمزة الكناني : إنه لم يرد من غير طريق مالك ، وقال أبو الطاهر الإنماطي : وقد طال بحثي عنه وسؤالي عنه الأئمة والحفاظ ، فلم أظفر به ولا سمعت عن أحد أنه ظفر به ، وادعى بعض طلبة الحديث أنه وقع له مسندا . ( وفي لفظ : « إنما أسهو لأسنّ » ولا تعجب من هذا فإن الأمم في كنف شفقة الأنبياء كالصبيان في كنف شفقة الآباء ، وكالمواشي في كنف الرعاة ) وقد روى أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة من حديث أبي هريرة « إنما أنا لكم مثل الوالد للولد أعلمكم » الحديث . وقد تقدم في كتاب سر الطهارة . ( أما ترى الأب إذا أراد أن يستنطق ولده الصغير كيف ينزل إلى درجة نطق الصبي كما قال صلّى اللّه عليه وسلم للحسن ) بن علي رضي اللّه عنهما ( « كخ كخ » ) بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلا ومخففا ويكسر منوّنا وغير