تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 731

مساهمون:

ص٧٣١
- وقد أشرنا إلى تلويحات منه في كتاب العلم وفي ربع المهلكات - بل نقول : شرط دوام التوبة أن يكون كثير الفكر في النعيم في الآخرة لتزيد رغبته ، ولكن إن كان شابا فلا ينبغي أن يطيل فكره في كل ما له نظير في الدنيا كالحور والقصور ، فإن ذلك الفكر ربما يحرك رغبته فيطلب العاجلة ولا يرضى بالآجلة ، بل ينبغي أن يتفكر في لذة النظر إلى وجه اللّه تعالى فقط ، فذلك لا نظير له في الدنيا . فكذلك تذكر الذنب قد يكون محركا للشهوة ، فالمبتدىء أيضا قد يستضربه فيكون النسيان أفضل له عند ذلك . ولا يصدنك عن التصديق بهذا التحقيق ما يحكى لك من بكاء داود ونياحته عليه السلام ، فإن
شرح
إلا من عرف الطريق والمقصد والعائق وسلوك الطريق ، وقد أشرنا إلى تلويحات ) أي إشارات ( منه في كتاب العلم وفي ربع المهلكات ) فليراجع هنالك فظهر من ذلك أن تصوّر الذنب إنما يصلح للتائب الغافل حتى يتبين من نفسه الاجتهاد والمسارعة إلى التكفير ، وأما السالك فربما يعوقه عن السلوك ( بل نقول : شرط التوبة ) وفي نسخة دوام التوبة ( أن يكون كثير الفكر في النعيم ) الذي أعده اللّه ( في الآخرة لتزيد رغبته ) في سلوكه ، ( ولكن إن كان شابا فينبغي أن لا يطيل فكره في كل ما له نظير في الدنيا كالحور والقصور ، فإن ذلك الفكر ربما يحرك رغبته فيطلب العاجلة ولا يرضى بالآجلة ، فينبغي أن يتفكر في لذة النظر إلى وجه اللّه تعالى فقط فذلك لا نظير له في الدنيا ، فكذلك تذكر الذنب قد يكون محركا للشهوات فالمبتدىء أيضا قد يستضربه فيكون النسيان أفضل له عند ذلك ) . وقال صاحب القوت : اعلم أنه لا يؤمن على ضعيف اليقين تقوى النفس عند تذكرة الذنوب ، فإن نظر القلب إليها بشهوة أو ميل النفس إليها بحلاوة فيكون ذلك سبب فتنته فيفسد من حيث صلح كما لا يؤمن على معتاد خطيئة بالنظر إلى سببها حركة النفس إليها ، وإن كان الأفضل الاتفاق معه ما لم يكن الاتفاق معصية لأجل مجاهدة النفس بالصبر عنها إلا أن ذلك غرور وفيه خطر فترك الاجتماع وترك الأسباب حينئذ أسلم ، وما كان أسلم للمريد فهو أفضل . وفي نسيان الذنوب الذكر لما يستقبل والانكماش مع ما يفوت من الوقت خوف فوت ثان ، وقد كان بعض العارفين يكره للمريد أن يكون وسواسه الجنة أو تذكر ما فيها من النعيم واللباس والأزواج ، ويستحب للمريد أن يكون وسواسه ذكر اللّه تعالى وخواطره وهمته متعلقة باللّه تعالى لا بسواه . قال : لأن المريد حيث عهد بالتوبة غير معتاد لطول الاستقامة والعصمة ، فإذا ذكر نعيم الجنة لم آمن عليه لضعف قلبه أن يشتهي مثله مما يشاهد في الدنيا من اللباس وأطيب الطعام والنساء ، لأن هذا حظ عاجل وذلك آجل فتطلب نفسه مثل ما ذكر من نعيم الآخرة معجلا في الدنيا . قال : فإذا كان همه اللّه تعالى كان أبعد له من زينة الدنيا وشهواتها ولم يجسر العدوّ بتمثيل ذلك له من العاجل إلا أن يقوى يقينه وشغل عادته وقدوم عصمته والمعنى لقائله .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 731 | مرتضى الزبيدي