العلم فالطرق إلى اللّه تعالى كثيرة وإن كانت مختلفة في القرب والبعد ، واللّه أعلم بمن هو أهدى سبيلا مع الاشتراك في أصل الهداية .
فأقول : تصوّر الذنب وذكره والتفجع عليه كمال في حق المبتدىء لأنه إذا نسيه لم يكثر احتراقه فلا تقوى إرادته وانبعاثه لسلوك الطريق ، ولأن ذلك يستخرج منه الحزن والخوف والوازع عن الرجوع إلى مثله . فهو بالإضافة إلى الغافل كمال ولكنه بالإضافة
شرح
العبد إلى اللّه العلم فالطرق إلى اللّه كثيرة ) كما قيل بعدد أنفاس الخلائق ، ( وإن كانت مختلفة في القرب والبعد ، واللّه أعلم بمن هو أهدى سبيلا مع الاشتراك في أصل الهداية ) . وبه ظهر أن كلام كل من السرى والجنيد فيما ذهبا إليه صحيح ، فمن قال التوبة أن لا تنسى ذنبك يقول :
إنما الغرض من ذكر الذنب الحمل على الأعمال الجميلة ، ولكن إذا حصل للعبد حال شريف واستغرق فيه فاشتغاله بذنبه حينئذ يفسد عليه ما هو فيه ، فالسري كلم الشاب بما هو الأولى في حق التائبين ، فإن ذكر ذنوبهم يهيج خوفهم ويحملهم على إصلاح أحوالهم ، وكان الشاب ممن ارتفعت درجته في ذلك ، فكلم السري بما يناسب حاله المستلزم باستغراق صاحبه فيه نسيان ذنبه فنبهه بذلك على مقام شريف في درجات التوبة ، ولذلك اغتم وتغير لونه لإشكال الأمر عليه ، وهذا شأنه تعالى يؤدب الكبار بالصغار ليعترفوا . ونقل القشيري عن أبي نصر السراج قال : أشار سهل إلى أحوال المريدين والمتعرضين تارة لهم وتارة عليهم ، وأما الجنيد فإنه أشار إلى توبة المحققين فإنهم لا يذكرون ذنوبهم مما غلب على قلوبهم من عظمة اللّه ودوام ذكره ا ه .
وقال صاحب القوت : فأما نسيان الذنوب وذكرها فقد اختلف قول العارفين في ذلك فقال بعضهم : حقيقة التوبة تنصب ذنبك بين عينيك ، وقال آخر : حقيقة التوبة أن تنسى ذنبك وهذان طريقان لطائفتين وحالان لأهل مقامين ، فأما ذكر الذنب فطريق المريدين وحال الخائفين ، ووجهة هؤلاء شهادة التوحيد ووجهة الأولين شهادة التوقف والتجريد وهي مقام في التعريف ففي أي المقامين أقيم عبد قام بشهادة وجهته وعمل بحكم حاله ومقام شهادة التوحيد أفضل عند العارفين من مقام شهادة التعريف ، فكانت هذه أوسع وأكثر إلا أنها في أصحاب اليمين وفي عموم المقربين وشهادة التوحيد أضيق وأقل وأهلها أعلى وأفضل وهي في المقربين وخصوص العارفين ا ه . وقد توسط المصنف بين القولين وقرره بأحسن الوجهين فقال :
( فأقول : تصوّر الذنب وذكره ) في خياله ( والتفجع عليه كمال في حق المبتدىء المريد ) وهو الذي لاحظه السري السقطي قدس سره قال : ( لأنه إذا نسيه لم يكثر احتراقه فلا تقوى إرادته وانبعاثه لسلوك الطريق ولأن ذلك ) أي تصوّره كذلك ( يستخرج عنه الحزن ) من مكامنه ( والخوف الوازع ) أي المانع ( عن الرجوع إلى مثله ) في الحال والمستقبل ، ( فهو بالإضافة إلى الغافل ) الذي لم يشم رائحة السلوك ( كمال ) في الجملة ، ( ولكنه بالإضافة