المعنى الذي بوجوده يصير الجاه محبوبا . ووجود المعنى الذي بوجوده يصير الطعام لذيذا ، وذلك لمن استرقته صفات البهائم والسباع ولم تظهر فيه صفات الملائكة التي لا يناسبها ولا يلذها إلا القرب من رب العالمين ولا يؤلمها إلا البعد والحجاب ، وكما لا يكون الذوق إلا في اللسان والسمع إلا في الآذان ، فلا تكون هذه الصفة إلا في القلب ، فمن لا قلب له ليس له هذا الحس ، كمن لا سمع له ولا بصر ليس له لذة الألحان وحسن الصور والألوان ، وليس لكل إنسان قلب ، ولو كان لما صح قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
[ ق : 37 ] فجعل من لم يتذكر بالقرآن مفلسا من القلب . ولست أعني بالقلب هذا الذي تكتنفه عظام الصدر بل أعني به السر الذي هو من عالم الأمر ، وهو اللحم الذي هو من عالم الخلق عرشه والصدر كرسيه ، وسائر الأعضاء عالمه ومملكته ، وللّه الخلق والأمر جميعا ، ولكن ذلك السر الذي قال اللّه تعالى فيه :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] هو الأمير والملك لأن بين عالم الأمر وعالم الخلق ترتيبا ، وعالم الأمر أمير على عالم الخلق ، وهو اللطيفة التي إذا صلحت صلح
شرح
محبوبا ، ووجود المعنى الذي بوجوده يصير الطعام لذيذا وذلك لمن استرقته ) أي استعبدته ( صفات البهائم والسباع ولم تظهر فيه صفات الملائكة التي لا يناسبها ولا يلذها إلا القرب من رب العالمين ، ولا يؤلمها إلا البعد والحجاب وكما لا يكون الذوق إلا في اللسان ) وهي قوّة منبثة في العصب المفروش على جوهر اللسان وبها تدرك الطعوم بمخالطة الرطوبة اللعابية ( والسمع إلا في الآذان فلا تكون هذه الصفة إلا في القلب فمن لا قلب له ليس له هذا الحس ) والإدراك ( كمن لا سمع له ولا بصر ليس له لذة الألحان المطربة وحسن الصور والألوان ) المختلفة ، ( وليس لكل انسان قلب ولو كان لما صح قوله تعالى :إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌفجعل من يتذكر بالقرآن ) ولم يتعظ به ( مفلسا من القلب ) أي عاريا منه عادما له عرى المفلس من المال ، وقد تقدم الكلام عليه في فصول مقدمة كتاب العلم عند ذكر مختارات أقوال المصنف ، ( ولست أعني بالقلب هذا اللحم ) الصنوبري ( التي تكتنفه عظام الصدر ) في الجهة اليسرى ، ( بل أعني به السر الذي هو من عالم الأمر وهو اللحم الذي هو من عالم الخلق عرشه ) المستوى عليه ( والصدر كرسيه وسائر الأعضاء عالمه ومملكته ) كما تقدم لك من قول سهل التستري في كتاب عجائب القلب ، ( وللّه الخلق والأمر جميعا ) قال اللّه تعالى :أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ[ الأعراف : 54 ] ( ولكن ذلك السر الذي قال اللّه تعالى فيه :قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيهو الأمر والملك ) فاللطيفة من عالم الامر واللحم الصنوبري من عالم الخلق ، ( لأن بين عالم الأمر و ) بين ( عالم الخلق ترتيبا ، وعالم الأمر أمير على عالم الخلق ) وحاكم عليه ( وهو اللطيفة التي إذا صلحت صلح بها سائر