تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
فمحول بينه وبين ما يشتهيه لا محالة فهو لا محالة يكون محترقا مع نار جهنم بنار الفراق ، ولذلك قال العارفون : ليس خوفنا من نار جهنم ولا رجاؤنا للحور العين وإنما مطلبنا اللقاء ومهربنا من الحجاب فقط . وقالوا : من يعبد اللّه بعوض فهو لئيم كأن يعبده لطلب جنته أو لخوف ناره ، بل العارف يعبده لذاته فلا يطلب إلا ذاته فقط ، فأما الحور العين والفواكه فقد لا يشتهيها ، وأما النار فقد لا يتقيها . إذ نار الفراق إذا استولت ربما غلبت النار المحرقة للأجسام ، فإن نار الفراق نار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، ونار جهنم لا شغل لها إلا مع الأجسام وألم الأجسام يستحقر مع ألم الفؤاد ، ولذلك قيل :
وفي فؤاد المحب نار جوى * أحرّ نار الجحيم أبردها
ولا ينبغي أن تنكر هذا في عالم الآخرة إذ له نظير مشاهد في عالم الدنيا ، فقد رؤي من غلب عليه الوجد فغدا على النار وعلى أصول القصب الجارحة للقدم وهو لا يحس به
شرح
يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ[ المطففين : 10 - 17 ] ( وكل محجوب عن محبوبه فمحول بينه وبين ما يشتهيه ) أشار بذلك إلى قوله تعالى :وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ[ سبأ : 54 ] ولا يكون ذلك إلا للمحجوبين ( فهو لا محالة يكون محترقا مع نار جهنم ) أشار إليه ؟ ؟ ؟ بقوله تعالى :ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ( بنار الفراق ) الحاصلة من الحجاب ، ( ولذلك قال العارفون : ليس خوفنا من نار جهنم ولا رجاؤنا للحور العين ) في الجنان ، ( وإنما مطلبنا اللقاء ) أي مشاهدة الوجه الكريم ( ومهر بنا من الحجاب فقط ، وقالوا ) أيضا : ( من يعبد اللّه بعوض فهو لئيم ) وذلك ( كان يعبده لطلب جنته أو لخوف ناره ، بل العارف ) الكامل ( يعبده لذاته فلا يطلب إلا ذاته ) ووجهه ( فقط ، فأما الحور العين والفواكه فقد لا يشتهيها ، وأما النار فقد لا يتقيها إذ نار الفراق إذا استولت ربما غلبت على النار المحرقة للأجسام ، فإن نار الفراق ) هي ( نار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة ) وهي بواطين القلوب ( ونار جهنم لا شغل لها إلا مع الأجسام ) فتذيبها ، ( وألم الأجسام يستحقر مع الفؤاد ولذلك قيل ) قائله المتنبي :( وفي فؤاد المحب نار جوى ) * وفي نسخة هوى ( أحر نار الجحيم أبردها )( ولا ينبغي أن ينكر هذا في عالم الآخرة إذ له نظير مشاهد في عالم الدنيا ، فقد رؤي من غلب عليه الوجد ) في السماع ( فغدا على النار وعلى أصول القصب ) بعد أن قطعت وطارت كالاسنة ( الجارحة للقدم وهو لا يحس به لفرط غلبة ما في قلبه ) وتقدم في كتاب