غالب الأمر عن واحد من الأمرين . قال اللّه تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[ مريم : 71 - 72 ] ، ولذلك قال الخائفون من السلف : إنما خوفنا لأنا تيقنا إنا على النار واردون وشككنا في النجاة ، ولما روى الحسن الخبر الوارد فيمن يخرج من النار بعد ألف عام وأنه ينادي يا حنان يا منان قال الحسن : يا ليتني كنت ذلك الرجل . واعلم أن في الأخبار ما يدل على
شرح
اللّه تعالى :وَإِنْ مِنْكُمْ )أي ما منكم من أحد( إِلَّا وارِدُها )أي إلا واصلها وحاضرها يعني جهنم ( الآيتين ) وهماكانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّافيمر بها المؤمن وهي خامدة . وفي الخبر « إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ربنا ان نرد النار ؟ فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة » . قيل : المراد بورودها الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها ، ( ولذلك قال الخائفون من السلف : إنما خوفنا لأنا تيقنا أنا على النار واردون وشككنا في النجاة ) ووجه التيقن قوله تعالى :كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّاأي كان ورودهم واجبا أوجبه اللّه تعالى على نفسه ومضى بأن وعد به وعدا لا يمكن تخلفه .
وأخرج أحمد في الزهد عن بكر بن عبد اللّه المزني أنه لما نزلت هذه الآيةوَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُهاذهب عبد اللّه بن رواحة إلى بيته فبكى وبكى أهل بيته ببكائه ، فسئل عن بكائه قال :
أنزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم آية نبأني فيها ربي أني وارد على النار ولم ينبئني أني صادر عنها ، فذلك الذي أبكاني . وفي رواية أخرى عن قيس بن أبي حازم قال : بكى عبد اللّه بن رواحة فقالت له امرأته : ما يبكيك ؟ قال : إني أنبئت أني وارد النار ولم أنبأ إني صادر منها . وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا التقوا يقول الرجل لصاحبه : هل أتاك انك وارد ؟ يقول : نعم . فيقول : هل أتاك أنك خارج ؟ يقول : لا ، فيقول : ففيم الضحك إذا ؟ ( ولما روى الحسن البصري رحمه اللّه تعالى الخبر الوارد فيمن يخرج من النار بعد ألف عام فإنه ) وفي نسخة : وأنه ( ينادي : يا حنان يا منان . قال الحسن : يا ليتني كنت ذلك الرجل ) لشدة خوفه خاف أن يدخلها ، ثم عظم خوفه فخاف أن لا يخرج منها فتمنى أن يخرج منها بعد ألف عام كذا في القوت ، والحديث قال العراقي : رواه أحمد ، وأبو يعلى من رواية أبي ظلال القسملي عن أنس . وأبو ظلال ضعيف واسمه هلال بن ميمون ا ه .
قلت : ويقال فيه هلال بن سرير معروف بكنيته أخرج له الترمذي . قال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه . وروى الحكيم في النوادر من حديث جابر قال لي جبريل : يا محمد إن اللّه تعالى يخاطبني يوم القيامة فيقول : يا جبريل ما لي أرى فلانا في صفوف أهل النار ؟ فأقول : يا رب إني لم أجد له حسنة يعود عليه خيرها اليوم . فيقول اللّه تعالى : إني أسمعه في دار الدنيا . يقول : يا حنان يا منان فأته فاسأله فيقول : وهل من حنان منان غير اللّه ؟ فآخذ بيده من صفوف أهل النار فأدخله في صفوف أهل الجنة .