تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 651

مساهمون:

ص٦٥١
أصابع الرحمن » عن سرعة التقليب ، وقد أشرنا إلى حكمة ذلك في « كتاب قواعد العقائد » من ربع العبادات ، فلنرجع الآن إلى الغرض ، فالمقصود أن تعريف توزع الدرجات والدركات على الحسنات والسيئات لا يمكن إلا بضرب المثال ، فلتفهم من المثل الذي نضربه معناه لا صورته . فنقول : الناس في الآخرة ينقسمون أصنافا وتتفاوت درجاتهم ودركاتهم في السعادة والشقاوة تفاوتا لا يدخل تحت الحصر كما تفاوتوا في سعادة الدنيا وشقاوتها ، ولا تفارق الآخرة الدنيا إلا في هذا المعنى أصلا البتة ، فإن مدبر الملك والملكوت واحد لا شريك له . وسنته الصادرة عن إرادته الأزلية مطردة لا تبديل لها إلا أنا إن عجزنا عن إحصاء آحاد الدرجات فلا نعجز عن إحصاء الأجناس . فنقول : الناس ينقسمون في الآخرة بالضرورة إلى أربعة أقسام : هالكين ، ومعذبين ، وناجين ، وفائزين . ومثاله في الدنيا أن يستولي ملك من الملوك على إقليم فيقتل بعضهم فهم الهالكون ، ويعذب بعضهم مدة ولا يقتلهم فهم المعذبون ، ويخلي بعضهم فهم الناجون ، ويخلع على بعضهم فهم الفائزون ، فإن كان الملك عادلا لم يقسمهم كذلك إلا
شرح
التقليب ) وعن كمال القدرة والإحاطة به ، ( وقد أشرنا إلى حكمة ذلك في كتاب قواعد العقائد من ربع العبادات ، فلنرجع الآن إلى الغرض ، فالمقصود أن تعرف توزع الدرجات والدركات على الحسنات والسيئات ، ولا يمكن ) معرفة ذلك ( إلا بضرب الأمثال ، فلتفهم من المثل الذي نضرب ) لك ( معناه ) المراد منه ( لا صورته ، فتقول : الناس في الآخرة ينقسمون أصنافا وتتفاوت درجاتهم ودركاتهم في السعادة والشقاوة تفاوتا لا يدخل تحت الحصر كما تفاوتوا في سعادة الدنيا وشقاوتها . ولا تفارق الآخرة الدنيا في هذا المعنى أصلا البتة ، فإن مدبر ) الأمور في ( الملك والملكوت واحد لا شريك له وسنته الصادرة عن إرادته الأزلية مطردة لا تبديل لها ) ولا تخويل عنها ، ( إلا أنا إن عجزنا عن إحصاء آحاد الدرجات ) لعدم حصرها ( فلا نعجز عن إحصاء الأجناس فنقول : الناس ينقسمون في الآخرة بالضرورة إلى أربعة أقسام : هالكين ومعذبين وناجين وفائزين ) لأنهم لا يخلون عن سعادة أو شقاوة ، والشقاوة إن كانت بالشرك والكفر وجحود صفات الربوبية فهم الهالكون ، فإن كان مع وجود الإقرار بالربوبية نوع عصيان ومخالفة فهم المعذبون ، والسعادة إن كانت بالإيمان باللّه وبما جاء به الرسل فهم الناجون ، فإن كان مع ذلك نبذ الدنيا وإقبال على اللّه بالكلية فهم الفائزون ، فهذا وجه الحصر في الأقسام المذكورة . ( ومثاله في الدنيا أن يستولي ملك من الملوك على إقليم ) من الأقاليم السبعة ( فيقتل بعضهم فهم الهالكون ، ويعذب بعضهم مدة ولا يقتلهم فهم المعذبون ، ويخلي بعضهم ) أي يتركهم ( فهم الناجون ، ويخلع على بعضهم ) أي يلبسهم خلعا ( فهم الفائزون فإن كان الملك عادلا لم يقسمهم كذلك إلا بالاستحقاق فلا يقتل إلا