في العلا حتى أناخوا في رياض النعيم وخاضوا في بحر الحياة وردموا خنادق الجزع وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم واستقوا من غدير الحكمة وركبوا سفينة الفطنة وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العز والكرامة ، فهذا القدر كاف في بيان أن كل توبة صحيحة فمقبولة لا محالة .
فإن قلت : أفتقول ما قالته المعتزلة من أن قبول التوبة واجب على اللّه ؟ فأقول : لا أعني بما ذكرته من وجوب قبول التوبة على اللّه إلا ما يريده القائل بقوله : إن الثوب إذا غسل بالصابون وجب زوال الوسخ ، وإن العطشان إذا شرب الماء وجب زوال العطش ، وأنه إذا منع الماء مدة وجب العطش ، وانه إذا دام العطش وجب الموت ، وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة بالإيجاب على اللّه تعالى ، بل أقول : خلق اللّه تعالى الطاعة مكفرة للمعصية ، والحسنة ماحية للسيئة ، كما خلق الماء مزيلا للعطش ، والقدرة متسعة بخلافه لو سبقت به المشيئة ، فلا واجب على اللّه تعالى ، ولكن ما سبقت به إرادته الأزلية فواجب كونه لا محالة .
شرح
أرواحهم في العلا ) والملأ الأعلى ( حتى أناخوا في رياض النعيم وخاضوا في بحر الحياة وردموا خنادق الجزع ) أي سدوها ( وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم ) الحقيقي أي بساحته ( واستقوا من غدير الحكمة وركبوا سفينة الفطنة وأقلعوا ) أي رفعوا شراعها ( بريح النجاة ) من الخوف ( في بحر السلامة ) من الكدر ( حتى وصلوا إلى رياض الراحة ) من التعب ( ومعدن العز والكرامة ) في حظيرة القدس الأقدس . أورده ابن خميس في مناقب الأبرار في ترجمة ذي النون من طريق يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون المصري فذكر نحوه بطوله . ( فهذا القدر كاف في بيان أن كل توبة صحيحة ) بشروطها ( فمقبولة لا محالة ) .
( فإن قلت : أفتقول ما قالت المعتزلة من أن قبول التوبة واجب على اللّه ) تعالى بناء على قاعدة مذهبهم من رعاية الصالح والأصلح ؟ ( فأقول : لا أعني بما ذكرته من وجوب قبول التوبة على اللّه ) تعالى ( إلا ما يريده القائل بقوله : إن الثوب إذا غسل بالصابون ) مثلا ( وجب زوال الوسخ ) عنه ، ( وأن العطشان إذا شرب الماء وجب زوال العطش ) عنه ، ( وأنه إذا منع الماء مدة وجب العطش ، وأنه إذا دام العطش وجب الموت ) بيبس العروق ونفاد الرطوبة الغريزية ، ( وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة بالإيجاب على اللّه تعالى ، بل أقول : خلق اللّه تعالى الطاعة مكفرة للمعصية والحسنة ماحية للسيئة ، كما خلق الماء مزيلا للعطش والقدرة متسعة بخلافه فلو سبقت به المشيئة فلا واجب على اللّه تعالى ولكن ما سبقت به الإرادة الأزلية فواجب كونه لا محالة ) . وقد سبق تقرير ذلك مع بيان قاعدة مذهبهم وما فرعوا عليها في كتاب قواعد العقائد فأغنانا عن الإعادة .