تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
فإن قلت : فما من تائب إلا وهو شاك في قبول توبته ، والشارب للماء لا يشك في زوال عطشه فلم يشك فيه ؟ فأقول شكه في القبول كشكه في وجود شرائط الصحة ؟ فإن للتوبة أركانا وشروطا دقيقة كما سيأتي ، وليس يتحقق وجود جميع شروطها كالذي يشك في دواء شربه للإسهال في أنه هل يسهل وذلك لشكه في حصول شروط الإسهال في الدواء باعتبار الحال والوقت وكيفية خلط الدواء وطبخه وجودة عقاقيره وأدويته ، فهذا وأمثاله موجب للخوف بعد التوبة وموجب للشك في قبولها لا محالة على ما سيأتي في شروطها إن شاء اللّه تعالى . الركن الثاني فيما عنه التوبة وهي الذنوب صغائرها وكبائرها : اعلم أن التوبة ترك الذنب ، ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته ، وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا ، فمعرفة الذنوب إذا واجبة ، والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر اللّه تعالى في ترك أو فعل وتفصيل ذلك يستدعي شرح
شرح
( فإن قلت : فما من تاب إلا وهو شاك في قبول توبته ) ليس على يقين منه ، ( والشارب للماء لا يشك في زوال عطشه ) بل هو على يقين منه وقد شبهت في وجوبه بوجوبه ( فلم يشك فيه ؟ فأقول : شكه في القبول كشكه في وجود شرائط الصحة فإن للتوبة أركانا وشروطا دقيقة ) لا بد من مراعاتها في وجودها وصحتها وكمالها ( كما سيأتي ) ذكر ذلك قريبا ، ( وليس يتحقق وجود جميع شرائطها ) بخلاف شرب الماء وهذا ( كالذي يشك في دواء شربه للإسهال في أنه هل يسهل ) أم لا ؟ ( وذلك لشكه في حصول شروط الإسهال في الدواء باعتبار الحال ) والمزاج ( والوقت ، و ) باعتبار ( كيفية خلط الدواء وطبخه وجودة عقاقيره وأدويته . فهذا وأمثاله موجب للخوف بعد التوبة وموجب للشك في قبولها لا محالة على ما سيأتي في شروطها إن شاء اللّه تعالى ) قريبا واللّه الموفق وبه تم الركن الأول .

الركن الثاني فيما عنه التوبة وهي الذنوب صغائرها وكبائرها :

ومعرفة حدود كل منها : ( اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن التوبة ) في الأصل رجوع إلى اللّه تعالى ولا يكون الرجوع إلا بترك ما كان ملتبسا به فلذلك قلنا إن التوبة ( ترك للذنب ) أي لفعله وإيقاعه ، ( ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته ) فما لا يعرف كيف يترك ، ( وإذا كانت التوبة واجبة ) على ما تقرر ( كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا ) أيضا ( فمعرفة الذنوب ) بأقسامها ( إذا واجبة والذنب ) أصله الأخذ بذنب الشيء وفي العرف الشرعي ( عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر اللّه في ترك أو فعل ) مما تستوخم عاقبته ، ولذلك سمي تبعة اعتبارا بما يحصل عن عاقبته ،