سنة ، ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك فقال : إلهي أطعتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة ، فإن رجعت إليك أتقبلني ؟ فسمع قائلا يقول ولا يرى شخصا . أحببتنا فأحببناك ، وتركتنا فتركناك ، وعصيتنا فأمهلناك ، وإن رجعت إلينا قبلناك .
وقال ذو النون المصري رحمه اللّه تعالى : إن للّه عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق القلوب ، وسقوها بماء التوبة فأثمرت ندما وحزنا ، فجنوا من غير جنون وتبلدوا من غير عي ولا بكم ، وإنهم هم البلغاء الفصحاء العارفون باللّه ورسوله ، ثم شربوا بكأس الصفاء فورثوا الصبر على طول البلاء ، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت وجالت أفكارهم بين سرايا حجب الجبروت ، واستظلوا تحت رواق الندم وقرأوا صحيفة الخطايا فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلم الورع فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة ، وسرحت أرواحهم
شرح
ثم نظر ) وجهه يوما ( في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك ) أي أحزنه ( فقال : إلهي أطعتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة فإن رجعت إليك أتقبلني فسمع قائلا يقول ولا يرى شخصه : أحببتنا فاحببناك وتركتنا فتركناك وعصيتنا فأمهلناك وإن رجعت إلينا قبلناك ) وقد قال تعالى :وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا[ الإسراء : 8 ] وفي الخبر : « ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة » .
( وقال ) أبو الفيض ( ذو النوب المصري رحمه اللّه تعالى : إن للّه عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق القلوب ) أي نصبوها بين أعينهم حيث ترمقها القلوب ، ( وسقوها بماء التوبة ) فتفرعت ( فأثمرت ندما وحزنا ، فجنوا من غير جنون ) وفيهم قيل :مجانين إلا أن سر فنونهم * عزيز لدى ابدائه يسجد العقل( وتبلدوا من غير عي ) أي حصر لسان ( ولا بكم وأنهم البلغاء الفصحاء العارفون باللّه ورسوله ) فجنونهم وتبلدهم إنما هو على ظهر ما يرى منهم ، ( ثم شربوا بكأس الصفاء ) فتصفت بواطنهم عن الجفاء ( فورثوا الصبر على طول البلاء ، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت ) الأعلى ( وجالت أفكارهم بين سرايا حجب الجبروت ) وهو عالم الملائكة المقربين ، ( واستظلوا تحت رواق الندم وقرأوا صحيفة الخطايا فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى علوّ ) مقام ( الزهد بسلم الورع ) والتقوى ( فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا ) وفطموا نفوسهم عنها ( واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة وسرحت