تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
والوسخ لا يزول إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله فلا يقوى الصابون على قلعه ، فمثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتى تصير طبعا ورينا على القلب فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب ، نعم قد يقول باللسان تبت فيكون ذلك كقول القصار بلسانه قد غسلت الثوب وذلك لا ينظف الثوب أصلا ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن به ، فهذا حال امتناع أصل التوبة وهو غير بعيد بل هو الغالب على كافة الخلق المقبلين على الدنيا المعرضين عن اللّه بالكلية ، فهذا البيان كاف عند ذوي البصائر في قبول التوبة ، ولكنا نعضد جناحه بنقل الآيات والأخبار والآثار فكل استبصار لا يشهد له الكتاب والسنة لا يوثق به ، وقد قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ
[ الشورى : 25 ] وقال تعالى :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ
[ غافر : 3 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « للّه أفرح بتوبة
شرح
يكون ، ( و ) كمن يتوهم أن ( الثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول ) اللهم ( إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله ) أي أثنائه ، ( فلا يقوى الصابون على قلعه . ومثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتى يصير طبعا ورينا على القلب ، فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب ) ولا ينجع فيه تأثير ولا يوفق بعده لغيره ، وقال مجاهد : القلب مثل الكف المفتوحة كلما أذنب ذنبا انقبض أصبع حتى تنقبض الأصابع كلها فتشتبك على القلب ، فذلك هو القفل وسيأتي هذا للمصنف قريبا . ويقال : إن لكل ذنب نباتا ينبت في القلب ، فإذا كثرت الذنوب تكاثف النبات حول القلب مثل الكم المثمرة فانضم على القلب ، فذلك الغلاف ويقال : الكنان واحد الأكنة التي ذكر اللّه أن القلب لا يسمع معها ولا يفقه ( نعم ، قد يقول باللسان ) إني ( تبت ) الآن ، ( فيكون ذلك كقول القصار بلسانه : قد غسلت الثوب ، وذلك ) أي مجرد هذا القول ( لا ينظف الثوب أصلا ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن به ) الراسخ فيه ، ( فهذا حال امتناع أصل التوبة وهو غير بعيد ، بل هو الغالب على كافة الخلق المقبلين ) بهممهم ( على الدنيا المعرضين عن اللّه بالكلية ) وحاصل الكلام أن توبة العبد إذا وقعت على الوجه المعتبر شرعا فهي مقبولة إلا أنها إذا كانت توبة الكافر من كفره فهي مقطوع بقبولها ؟ وإن كانت سواها من أنواع التوبة فهل قبولها مقطوع به أو مظنون ؟ فيه خلاف لأهل السنة ، واختار إمام الحرمين أنه مظنون . قال النووي : وهو الأصح . قال القشيري في الرسالة : التائب من الذنب على يقين ومن قبوله التوبة على خطر ، فينبغي أن يكون دائم الحذر . ( فهذا البيان كاف عند ذوي البصائر ) والعقول ( في قبول التوبة ) ولا يفتقر بعده إلى تنبيه ، ( ولكن نعضد جناحه بنقل الآيات والأخبار والآثار ) ليتأيد بها ، ( فكل استبصار لا يشهد له الكتاب والسنة لا يوثق به ، وقد قال تعالى ) في كتابه العزيز :( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِوقال تعالى :غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِإلى غير ذلك من الآيات ) كقوله