فالقلب المظلم لا يقبله اللّه تعالى لأن يكون في جواره ، وكما أن استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب وغسله بالصابون والماء الحار ينظفه لا محالة ، فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب ، وغسله بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه ، وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول ، كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول ، فإنما عليك التزكية والتطهير . وأما القبول فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له ، وهو المسمى فلاحا في قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
[ الشمس : 9 ] ومن لم يعرف على سبيل التحقيق معرفة أقوى وأجلى من المشاهدة بالبصر أن القلب يتأثر بالمعاصي والطاعات تأثرا متضادا يستعار لأحدهما لفظ الظلمة كما يستعار للجهل ، ويستعار للآخر لفظ النور كما يستعار للعلم ، وأن بين النور والظلمة تضادا ضروريا لا يتصوّر الجمع بينهما ، فكأنه لم يبق من الدين إلا قشوره ولم يعلق به إلا أسماؤه وقلبه في غطاء كثيف عن حقيقة الدين بل عن حقيقة نفسه وصفات نفسه ، ومن جهل نفسه فهو بغيره أجهل وأعني به قلبه ، إذ بقلبه يعرف غير قلبه ، فكيف يعرف غيره وهو لا يعرف قلبه ، فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أنّ الشمس تطلع والظلام لا يزول ، والثوب يغسل بالصابون
شرح
بياض الصابون ) المتخذ من القلي والجير والزيت ، ( وكما أن الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه ، فالقلب ) المظلم لا يقبله اللّه تعالى و ( لا ) يليق ( أن يكون في جواره ) وحظيرته ، ( وكما أن استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب ) ويدنسه ( وغسله بالصابون والماء الحار ينظفه لا محالة ) ويزيل وسخه ، ( فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب وغسله بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه ، وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول ، كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول فإنما عليك التزكية والتطهير ) من الأدناس والأرجاس ، ( وأما القبول فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له وهو المسمى فلاحا في قوله تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها )أي طهرها أي نفسه من الشهوات الخفية ، ( ومن لم يعرف على سبيل التحقيق معرفة ) هي ( أقوى وأجلى من المشاهدة بالبصر أن القلب يتأثر بالمعاصي والطاعات تأثرا متضادا يستعار لأحدهما لفظ الظلمة كما يستعار للجهل ) بجامع عدم الاهتداء ، ( ويستعار للآخر لفظ النور كما يستعار للعلم ، وأن بين النور والظلمة تضادا ضروريا لا يتصور الجمع بينهما ، فكأنه لم يعرف من الدين إلا قشوره ولم يعلق به إلا أسماؤه ) يقال : علق إذ لصق ( وقلبه في غطاء كثيف ) أي غليظ ( عن ) معرفة ( حقيقة الدين بل ) هو في غطاء ( عن ) معرفة ( حقيقة نفسه ، ومن جهله نفسه فهو بغيره أجهل واعني به ) أي بغيره ( قلبه إذ بقلبه يعرف غير قلبه ، فكيف يعرف غيره وهو لا يعرف قلبه ؟ فمن يتوهم أن التوبة تصح لا تقبل كمن يتوهم أن الشمس تطلع والظلام لا يزول ) هذا لا