إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 596
بيان ان التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة : اعلم أنك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كل توبة صحيحة فهي مقبولة ، فالناظرون بنور البصائر المستمدون من أنوار القرآن علموا أن كل قلب سليم مقبول عند اللّه ، ومتنعم في الآخرة في جوار اللّه تعالى ، ومستعد لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه اللّه تعالى ، وعلموا أن القلب خلق سليما في الأصل ، وكل مولود يولد على الفطرة وإنما تفوته السلامة بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها ، وعلموا أن نار الندم تحرق تلك الغبرة ، وأن نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة ، وأنه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون ، وكما أن الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه فصل في بيان ان التوبة إذا استجمعت شرائطها : وأركانها وشهدت العلامات بصحتها ( فهي مقبولة لا محالة ) بفضل اللّه تعالى لا بطريق الوجوب ، إذ لا يجب شيء على الخالق لأنه لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا قال اللّه تعالى : وَلا يَخافُ عُقْباها [ الشمس : 15 ] هذا حاصل ما ذكره المصنف في هذا الفصل ، وقد أخر تلك الشرائط وكان الأولى تقديمها حتى يكون ما في هذا الفصل كالمتمم له ، والإيمان بهذا واجب لأنه من عقود الإيمان باللّه تعالى . ( أعلم ) أرشدك اللّه تعالى ( أنك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كل توبة صحيحة ) وهي المستجمعة الشروط والأركان ، ( فهي مقبولة . فالناظرون بنور البصائر ) وهو المفاض على القلوب ( المستمدون من أنوار القرآن علموا أن كل قلب سليم ) من المعاصي ( مقبول عند اللّه تعالى ، ومتنعم في الآخرة في جوار اللّه تعالى ، ومستعد لان ينظر بعينه الباقية إلى وجه اللّه تعالى ، وعلموا ) أيضا ( أن القلب خلق سليما في الأصل ) أي في الفطرة الأصلية ، ( « وكل مولود يولد على الفطرة » ) كما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وتمامه « فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه » الحديث وقال : حسن صحيح وقد تقدم ، ( وإنما تفوته السلامة بكدورة ترهق وجهه ) أي تعلوه ( من غبرة الذنوب وظلمتها ) ، وروى أحمد من حديث جابر : « كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا أعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا » ( وعلموا أن نار الندم ) المتولدة من التوجع ( تحرق تلك الغبرة وأن نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة ، وأنه لا طاقة لظلام المعاصي من نور الحسنات كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار ) بل ينسخه ويمحوه ، ( بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع